< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِالتّاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو قِراءَةً غَرِيبَةً ”تَتَفَطَّرْنَ“ بِالتّاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ، رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الإعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّسْنَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في فائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ قالَ: والمَعْنى أنَّها تَكادُ تَتَفَطَّرُ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها.

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ سَخِيفٌ، ويَجِبُ القَطْعُ بِبَراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ.

وثانِيها: هَبْ أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ المَلائِكَةِ عَلَيْها، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» “ .

وثالِثُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكادُ السَّماواتُ تَنْشَقُّ وتَنْفَطِرُ مِن هَيْبَةِ مَن هو فَوْقَها فَوْقِيَّةً بِالإلَهِيَّةِ والقَهْرِ والقُدْرَةِ ؟ .

فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ في غايَةِ الفَسادِ والرَّكاكَةِ.

والوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو أنَّ كَلِمَةَ الكُفْرِ إنَّما جاءَتْ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ السَّماواتِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها الكَلِمَةُ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ فَقُلِبَ فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في جِهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، ودَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ، ونَظِيرُهُ في المُبالَغَةِ قَوْلُهُ تَعالى؛ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾[الحج: ١٩] فَجُعِلَ مُؤَثِّرًا في أجْزائِهِ الباطِنَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثُمَّ قالَ:

صفحة ١٢٥

﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ مَعْنى ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ هَذِهِ السَّماواتُ فِيها، وتِلْكَ الجِهَةُ هي فَوْقَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الفَوْقانِيَّةِ الَّتِي هُنَّ فِيها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ لِمَ حَصَلَتْ ؟ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ لِهَذا الكِتابِ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، بَيَّنَ وصْفَ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن هَيْبَتِهِ وجَلالَتِهِ، والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في إثْباتِهِمُ الوَلَدَ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾، وهَهُنا السَّبَبُ فِيهِ إثْباتُهُمُ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى نَوْعانِ: عالَمُ الجُسْمانِيّاتِ وأعْظَمُها السَّماواتُ، وعالَمُ الرُّوحانِيّاتِ وأعْظَمُها المَلائِكَةُ، واللَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ كَمالَ عَظَمَتِهِ لِأجْلِ نَفاذِ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ في الجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ يُرْدِفُهُ بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ واسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾[النبأ: ١] لَمّا أرادَ تَقْرِيرَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ بَدَأ بِذِكْرِ الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾[النبأ: ٣٧] ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾[النبأ: ٣٨]فَكَذَلِكَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ كَمالَ عَظَمَتِهِ بِاسْتِيلاءِ