< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah042
Ash-Shura (42)
Consultation, makkah, 53 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى:﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ.
صفحة ١٣٨
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
صفحة ١٣٩
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ لَطِيفًا بِعِبادِهِ كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَسْعَوْا في طَلَبِ الخَيْراتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ القَبائِحِ فَقالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَطْلُبُ بِهِ الفائِدَةَ حَرْثًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الفَرْقَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ مَن أرادَ الآخِرَةَ وبَيْنَ مَن أرادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ مُرِيدَ حَرْثِ الآخِرَةِ في الذِّكْرِ عَلى مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ آخِرَةً، ثُمَّ قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ ”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ“ .
الثّانِي: أنَّهُ قالَ في