< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾[البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِن كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾[النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾[النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي