< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah037
As-Saaffaat (37)
Those drawn up in Ranks, makkah, 182 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ:﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾[الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾[يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾[الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ.
ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ.
ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ
صفحة ١٣٧
المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ.المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ:
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ]
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ واسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، وأصْلُها مِن قَوْلِكَ سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلَصَ لَهُ، ومَعْناهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازَعَ فِيهِ، وقَوْلُهم سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ مَنقُولانِ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ، وحَقِيقَةُ مَعْناها أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وجَعَلَها سالِمَةً لَهُ خالِصَةً، وكَذَلِكَ مَعْنى اسْتَسْلَمَ اسْتَخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أسْلَما أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ وهَذا نَفْسَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ؛ ولِلْوَجْهِ جَبِينانِ، والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ التَّلِيلُ والمَتْلُولُ المَصْرُوعُ والمِتَلُّ الَّذِي يُتَلُّ بِهِ أيْ يُصْرَعُ، فالمَعْنى أنَّهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، وقالَ مُقاتِلٌ كَبَّهُ عَلى جَبْهَتِهِ، وهَذا خَطَأٌ لِأنَّ الجَبِينَ غَيْرُ الجَبْهَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:الأوَّلُ: أنَّ هَذا جَوابُ فَلَمّا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ والفَرّاءِ والواوُ زائِدَةٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والجَوابُ مُقَدَّرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ وناداهُ اللَّهُ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، سَعِدَ سَعادَةً عَظِيمَةً وآتاهُ اللَّهُ نُبُوَّةَ ولَدِهِ وأجْزَلَ لَهُ الثَّوابَ، قالُوا: وحَذْفُ الجَوابِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ