< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah037
As-Saaffaat (37)
Those drawn up in Ranks, makkah, 182 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ.
صفحة ١٣٦
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ.وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى.
وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى