< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قَوْلِهِ تَعالى:﴿إمامٍ مُبِينٍ﴾ إمّا كَزِمامٍ وكِتابٍ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ إمامٌ كَسِهامٍ وكِرامٍ وجِعابٍ، وهَذا مِن دَقِيقِ التَّصْرِيفِ.

وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فَنَذْكُرُها في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِحَمْلِ ذُرِّيَّتِهِمْ، وقالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ (الحاقَّةِ: ١١) مَنَّ هُناكَ عَلَيْهِمْ بِحَمْلِ أنْفُسِهِمْ، نَقُولُ: لِأنَّ مَن يَنْفَعُ المُتَعَلِّقَ بِالغَيْرِ يَكُونُ قَدْ نَفَعَ ذَلِكَ الغَيْرَ، ومَن يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَلى المُتَعَلِّقِ بِالغَيْرِ لا يَكُونُ قَدْ دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ ذَلِكَ الغَيْرِ، بَلْ يَكُونُ قَدْ نَفَعَهُ، مِثالُهُ: مَن أحْسَنَ إلى ولَدِ إنْسانٍ وفَرَّحَهُ فَرِحَ بِفَرَحِهِ أبُوهُ، وإذا دَفَعَ واحِدٌ الألَمَ عَنْ ولَدِ إنْسانٍ يَكُونُ قَدْ فَرَّحَ أباهُ، ولا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ قَدْ أزالَ الألَمَ عَنْ أبِيهِ، عِنْدَ طُغْيانِ الماءِ كانَ الضَّرَرُ يَلْحَقُهم، فَقالَ: دَفَعْتُ عَنْكُمُ الضَّرَرَ، ولَوْ قالَ: دَفَعْتُ عَنْ أوْلادِكُمُ الضَّرَرَ لَما حَصَلَ بَيانُ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم، وهَهُنا أرادَ بَيانَ المَنافِعِ، فَقالَ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾

صفحة ٧١

لِأنَّ النَّفْعَ حاصِلٌ بِنَفْعِ الذُّرِّيَّةِ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّ هَهُنا قالَ: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَإنَّ امْتِلاءَ الفُلْكِ مِنَ الأمْوالِ يَحْصُلُ بِذِكْرِهِ بَيانُ المَنفَعَةِ، وأمّا دَفْعُ المَضَرَّةِ فَلا، لِأنَّ الفُلْكَ كُلَّما كانَ أثْقَلَ كانَ الخَلاصُ بِهِ أبْطَأ وهُنالِكَ السَّلامَةُ، فاخْتارَ هُنالِكَ ما يَدُلُّ عَلى الخَلاصِ مِنَ الضَّرَرِ وهو الجَرْيُ، وهَهُنا ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَنفَعَةِ وهو الشَّحْنُ، فَإنْ قِيلَ: قالَ تَعالى: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠) ولَمْ يَقُلْ: وحَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم مَعَ أنَّ المَقْصُودَ في المَوْضِعَيْنِ بَيانُ النِّعْمَةِ، لا دَفْعُ النِّقْمَةِ، نَقُولُ لَمّا قالَ: ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَمَّ الخَلْقَ، لِأنَّ ما مِن أحَدٍ إلّا حُمِلَ في البَرِّ أوِ البَحْرِ، وأمّا الحَمْلُ في البَحْرِ فَلَمْ يَعُمَّ، فَقالَ: إنْ كُنّا ما حَمَلْناكم بِأنْفُسِكم فَقَدْ حَمَلْنا مَن يُهِمُّكم أمْرُهُ مِنَ الأوْلادِ والأقارِبِ والإخْوانِ والأصْدِقاءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿المَشْحُونِ﴾ يُفِيدُ فائِدَةً أُخْرى غَيْرَ ما ذَكَرْنا، وهي أنَّ الآدَمِيَّ يَرْسُبُ في الماءِ ويَغْرَقُ، فَحَمْلُهُ في الفُلْكِ واقِعٌ بِقُدْرَتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ مَن يَقُولُ: الخَفِيفُ لا يَرْسُبُ في الماءِ؛ لِأنَّ الخَفِيفَ يَطْلُبُ جِهَةَ فَوْقُ فَقالَ: ﴿الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أثْقَلُ مِنَ الثِّقالِ الَّتِي تَرْسُبُ، ومَعَ هَذا حَمَلَ اللَّهُ الإنْسانَ فِيهِ مَعَ ثِقَلِهِ، فَإنْ قالُوا ذَلِكَ لِامْتِناعِ الخَلاءِ، نَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى جَوازِ الخَلاءِ في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، فَإذَنْ لَيْسَ حِفْظُ الثَّقِيلِ فَوْقَ الماءِ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وآيَةٌ لَهُمُ الفُلْكُ جَعَلْناها بِحَيْثُ تَحْمِلُهم، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَهم في الفُلْكِ هو العَجَبُ.

أمّا نَفْسُ الفُلْكِ فَلَيْسَ بِعَجَبٍ؛ لِأنَّهُ كَبَيْتٍ مَبْنِيٍّ مِن خَشَبٍ.

وأمّا نَفْسُ الأرْضِ فَعَجَبٌ ونَفْسُ اللَّيْلِ عَجَبٌ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِما لِأحَدٍ إلّا اللَّهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مِن حَيْثُ اللُّغَةُ والمَعْنى، أمّا اللُّغَةُ فَقَوْلُهُ لَهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الذُّرِّيَّةِ، أيْ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم وخَلَقْنا لِلْمَحْمُولِينَ ما يَرْكَبُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العِبادِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ عَوْدُ الضَّمائِرِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (مِن) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ صِلَةً تَقْدِيرُهُ: وخَلَقْنا لَهم مِثْلَهُ، وهَذا عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: مَن لا يَكُونُ صِلَةً إلّا عِنْدَ النَّفْيِ، تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ (ق: ٣٨) .

وثانِيهِما: هي مُبَيِّنَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾(نُوحٍ: ٤) كَأنَّهُ