< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


جَعَلَها مَفْعُولَ الإرادَةِ، وذِكْرُ الضُّرِّ وقَعَ تَبَعًا، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٨) المَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ يَكُونُ كَما يُرِيدُ اللَّهُ، ولَيْسَ الضُّرُّ بِخُصُوصِهِ مَقْصُودًا بِالذِّكْرِ ويُؤَيِّدُهُ ما تَقَدَّمَ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٦) يَعْنِي هو تَحْتَ إرادَتِهِ ويَتَأيَّدُ ما ذَكَرْناهُ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾

صفحة ٥٢

(الأحْزابِ: ١٧) حَيْثُ خالَفَ هَذا النَّظْمَ وجَعَلَ المَفْعُولَ مِن غَيْرِ حَرْفِ السُّوءِ، وهو كالضُّرِّ، والمَفْعُولُ بِحَرْفٍ هو المُكَلَّفُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ الضُّرِّ لِلتَّخْوِيفِ وكَوْنُهم مَحَلًّا لَهُ، وكَيْفَ لا وهم كَفَرَةٌ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِكُفْرِهِمْ فَجَعَلَ الضُّرَّ مَقْصُودًا بِالذِّكْرِ لِزَجْرِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ أيْضًا حَيْثُ قالَ: ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ (الأحْزابِ: ١٧) وإنَّما ذَكَرَ الرَّحْمَةَ تَتِمَّةً لِلْأمْرِ بِالتَّقْسِيمِ الحاصِرِ، وكَذَلِكَ إذا تَأمَّلْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ (الفَتْحِ: ١١) فَإنَّ الكَلامَ أيْضًا مَعَ الكُفّارِ، وذِكْرُ النَّفْعِ وقَعَ تَبَعًا لِحَصْرِ الأمْرِ بِالتَّقْسِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (الفَتْحِ: ١١) فَإنَّهُ لِلتَّخْوِيفِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (سَبَأٍ: ٢٤)، والمَقْصُودُ: إنِّي عَلى هُدًى وأنْتُمْ في ضَلالٍ، ولَوْ قالَ هَكَذا لَمَنَعَ مانِعٌ، فَقالَ بِالتَّقْسِيمِ كَذَلِكَ هَهُنا المَقْصُودُ الضُّرُّ واقِعٌ بِكم ولِأجْلِ دَفْعِ المانِعِ قالَ الضُّرُّ والنَّفْعُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ﴾ وقالَ في الزُّمَرِ: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٨) فَما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ صِيغَةِ الماضِي هُنالِكَ، واخْتِيارِ صِيغَةِ المُضارِعِ هَهُنا، وذِكْرِ المُرِيدِ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ هُنا، وذِكْرِ المُرِيدِ بِاسْمِ اللَّهِ هُناكَ ؟ نَقُولُ: أمّا الماضِي والمُسْتَقْبَلُ فَإنَّ إنْ في الشَّرْطِ تُصَيِّرُ الماضِيَ مُسْتَقْبَلًا، وذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ هَهُنا مِن قَبْلُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ: ﴿أأتَّخِذُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ والمَذْكُورُ هُناكَ مِن قَبْلُ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ (النَّجْمِ: ١٩) وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ (يُونُسَ: ١٠٧) لِكَوْنِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ مَذْكُورًا بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٦) وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ﴾ (الأنْعامِ: ١٥) والحِكْمَةُ فِيهِ هو أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُخَوِّفُونَ النَّبِيَّ ﷺ بِضُرٍّ يُصِيبُهُ مِن آلِهَتِهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: صَدَرَ مِنكُمُ التَّخْوِيفُ، وهَذا ما سَبَقَ مِنكم، وهَهُنا ابْتِداءُ كَلامٍ صَدَرَ مِنَ المُؤْمِنِ لِلتَّقْرِيرِ، والجَوابُ: ما كانَ يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنهم فافْتَرَقَ الأمْرانِ، وأمّا قَوْلُهُ هُناكَ: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٨) فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الِاسْمَيْنِ المُخْتَصَّيْنِ بِواجِبِ الوُجُودِ اللَّهُ والرَّحْمَنُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (الإسْراءِ: ١١٠) واللَّهُ لِلْهَيْبَةِ والعَظَمَةِ، والرَّحْمَنُ لِلرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، وهُناكَ وُصِفَ اللَّهُ بِالعِزَّةِ والِانْتِقامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٧) وذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) فَذَكَرَ الِاسْمَ الدّالَّ عَلى العَظَمَةِ، وقالَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فَإنَّهُ نِعْمَةٌ هي شَرْطُ سائِرِ النِّعَمِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ عَلى تَرْتِيبِ ما يَقَعُ مِنَ العُقَلاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يُرِيدُ دَفْعَ الضُّرِّ عَنْ شَخْصٍ أضَرَّ بِهِ شَخْصٌ يَدْفَعُ بِالوَجْهِ الأحْسَنِ فَيَشْفَعُ أوَّلًا، فَإنْ قَبِلَهُ وإلّا يَدْفَعُ، فَقالَ: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ﴾ولا يَقْدِرُونَ عَلى إنْقاذِي بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ،