< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah035
Faatir (35)
The Originator, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الجاهِلَ الَّذِي يَعْلَمُ جَهْلَهُ والمُسِيءَ الَّذِي يَعْلَمُ سُوءَ عَمَلِهِ يَرْجِعُ ويَتُوبُ والَّذِي لا يَعْلَمُ يُصِرُّ عَلى الذُّنُوبِ والمُسِيءُ العالِمُ لَهُ صِفَةُ ذَمٍّ بِالإساءَةِ وصِفَةُ مَدْحٍ بِالعِلْمِ. والمُسِيءُ الَّذِي يَرى الإساءَةَ إحْسانًا لَهُ صِفَتا ذَمٍّ: الإساءَةُ والجَهْلُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقالَ:﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ أشْخاصُهم مُتَساوِيَةٌ في الحَقِيقَةِ، والإساءَةُ
صفحة ٧
والإحْسانُ، والسَّيِّئَةُ والحَسَنَةُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ فَإذا عَرَفَها البَعْضُ دُونَ البَعْضِ لا يَكُونُ ذَلِكَ بِاسْتِقْلالٍ مِنهم، فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِنادِ إلى إرادَةِ اللَّهِ.ثُمَّ سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ حَزِنَ مِن إصْرارِهِمْ بَعْدَ إتْيانِهِ بِكُلِّ آيَةٍ ظاهِرَةٍ وحُجَّةٍ باهِرَةٍ فَقالَ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾[الكهف: ٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ حُزْنَهُ إنْ كانَ لِما بِهِمْ مِنَ الضَّلالِ فاللَّهُ عالِمٌ بِهِمْ وبِما يَصْنَعُونَ لَوْ أرادَ إيمانَهم وإحْسانَهم لَصَدَّهم عَنِ الضَّلالِ ورَدَّهم عَنِ الإضْلالِ، وإنْ كانَ لِما بِهِ مِنهم مِنَ الإيذاءِ فاللَّهُ عالِمٌ بِفِعْلِهِ يُجازِيهِمْ عَلى ما يَصْنَعُونَ.
ثُمَّ عادَ إلى البَيانِ فَقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ .
هُبُوبُ الرِّياحِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ وذَلِكَ لِأنَّ الهَواءَ قَدْ يَسْكُنُ وقَدْ يَتَحَرَّكُ، وعِنْدَ حَرَكَتِهِ قَدْ يَتَحَرَّكُ إلى اليَمِينِ، وقَدْ يَتَحَرَّكُ إلى اليَسارِ، وفي حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ قَدْ يُنْشِئُ السَّحابَ، وقَدْ لا يُنْشِئُ، فَهَذِهِ الِاخْتِلافاتُ دَلِيلٌ عَلى مُسَخِّرٍ مُدَبِّرٍ ومُؤَثِّرٍ مُقَدِّرٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ﴾ بِلَفْظِ الماضِي وقالَ: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أسْنَدَ فِعْلَ الإرْسالِ إلى اللَّهِ وما يَفْعَلُ اللَّهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ كُنْ، فَلا يَبْقى في العَدَمِ لا زَمانًا ولا جُزْءًا مِنَ الزَّمانِ، فَلَمْ يَقُلْ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِوُجُوبِ وُقُوعِهِ وسُرْعَةِ كَوْنِهِ كَأنَّهُ كانَ وكَأنَّهُ فَرَغَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَهو قَدَّرَ الإرْسالَ في الأوْقاتِ المَعْلُومَةِ إلى المَواضِعِ المُعَيَّنَةِ، والتَّقْدِيرُ كالإرْسالِ، ولَمّا أسْنَدَ فِعْلَ الإثارَةِ إلى الرِّيحِ وهو يُؤَلَّفُ في زَمانٍ فَقالَ: ﴿تُثِيرُ﴾ أيْ عَلى هَيْئَتِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿أرْسَلَ﴾ إسْنادًا لِلْفِعْلِ إلى الغائِبِ وقالَ: ﴿سُقْناهُ﴾ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأحْيَيْنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ في الأوَّلِ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ وهو الإرْسالُ، ثُمَّ لَمّا عُرِفَ قالَ: أنا الَّذِي عَرَفْتَنِي سُقْتُ السَّحابَ وأحْيَيْتُ الأرْضَ، فَنَفْيُ الأوَّلِ كانَ تَعْرِيفًا بِالفِعْلِ العَجِيبِ، وفي الثّانِي كانَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ فَإنَّ كَمالَ نِعْمَةِ الرِّياحِ والسُّحُبِ بِالسَّوْقِ والإحْياءِ وقَوْلُهُ: ”سُقْناهُ وأحْيَيْنا“ بِصِيغَةِ الماضِي يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تُثِيرُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما وجْهُ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الأرْضَ المَيِّتَةَ لَمّا قَبِلَتِ الحَياةَ اللّائِقَةَ بِها كَذَلِكَ الأعْضاءُ تَقْبَلُ الحَياةَ.
وثانِيها: كَما أنَّ الرِّيحَ يَجْمَعُ القِطَعَ السَّحابِيَّةَ كَذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ أجْزاءِ الأعْضاءِ وأبْعاضِ الأشْياءِ.
وثالِثُها: كَما أنّا نَسُوقُ الرِّيحَ والسَّحابَ إلى البَلَدِ المَيِّتِ نَسُوقُ الرُّوحَ والحَياةَ إلى البَدَنِ المَيِّتِ.
صفحة ٨
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ هَذِهِ الآيَةِ مِن بَيْنِ الآياتِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، فَنَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ السَّماوِيَّةِ الأرْواحَ وإرْسالَها بِقَوْلِهِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ الأرْضِيَّةِ الرِّياحَ وإرْسالَها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ