< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah035
Faatir (35)
The Originator, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ونُعِيدُهُ هَهُنا فَنَقُولُ: المُكَلَّفُ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفَ الذِّهْنِ قَلِيلَ العَقْلِ سَخِيفَ الرَّأْيِ فَيَغْتَرُّ بِأدْنى شَيْءٍ، وقَدْ يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ فَلا يَغْتَرُّ بِهِ ولَكِنْ إذا جاءَهُ غارٌّ وزَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وهَوَّنَ عَلَيْهِ مَفاسِدَهُ، وبَيَّنَ لَهُ مَنافِعَهُ، يَغْتَرُّ لِما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِن دُعاءِ ذَلِكَ الغارِّ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ قَوِيَّ الجَأْشِ غَزِيرَ العَقْلِ فَلا يَغْتَرُّ ولا يُغَرُّ فَقالَ اللَّهُ تَعالى:﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةً إلى الدَّرَجَةِ الأُولى، وقالَ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِيَكُونَ واقِعًا في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ وهي العُلْيا فَلا يُغَرُّ ولا يَغْتَرُّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ ذَكَرَ
صفحة ٦
ما يَمْنَعُ العاقِلَ مِنَ الِاغْتِرارِ، وقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ولا تَسْمَعُوا قَوْلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أيِ اعْمَلُوا ما يَسُوءُهُ وهو العَمَلُ الصّالِحُ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ إشارَةً إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ مَن يَكُونُ لَهُ عَدُوٌّ فَلَهُ في أمْرِهِ طَرِيقانِ:أحَدُهُما: أنْ يُعادِيَهُ مُجازاةً لَهُ عَلى مُعاداتِهِ.
والثّانِي: أنْ يُذْهِبَ عَداوَتَهُ بِإرْضائِهِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ أمَرَهم بِالعَداوَةِ وأشارَ إلى أنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ إلّا هَذا، وأمّا الطَّرِيقُ الآخَرُ وهو الإرْضاءُ فَلا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّكم إذا راضَيْتُمُوهُ واتَّبَعْتُمُوهُ فَهو لا يُؤَدِّيكم إلّا إلى السَّعِيرِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن عَلِمَ أنَّ لَهُ عَدُوًّا لا مَهْرَبَ لَهُ مِنهُ وجَزَمَ بِذَلِكَ فَإنَّهُ يَقِفُ عِنْدَهُ ويَصْبِرُ عَلى قِتالِهِ، والصَّبْرُ مَعَهُ الظَّفَرُ، فَكَذَلِكَ الشَّيْطانُ لا يَقْدِرُ الإنْسانُ أنْ يَهْرُبَ مِنهُ فَإنَّهُ مَعَهُ، ولا يَزالُ يَتْبَعُهُ إلّا أنْ يَقِفَ لَهُ ويَهْزِمَهُ، فَهَزِيمَةُ الشَّيْطانِ بِعَزِيمَةِ الإنْسانِ، فالطَّرِيقُ الثَّباتُ عَلى الجادَّةِ والِاتِّكالُ عَلى العِبادَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ حِزْبِهِ وحالَ حِزْبِ اللَّهِ، فَقالَ:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ فالمُعادِي لِلشَّيْطانِ وإنْ كانَ في الحالِ في عَذابٍ ظاهِرٍ ولَيْسَ بِشَدِيدٍ، والإنْسانُ إذا كانَ عاقِلًا يَخْتارُ العَذابَ المُنْقَطِعَ اليَسِيرَ دَفْعًا لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ المُؤَبَّدِ ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذْ عَرَضَ في طَرِيقِهِ شَوْكٌ ونارٌ ولا يَكُونُ لَهُ بُدٌّ مِن أحَدِهِما يَتَخَطّى الشَّوْكَ ولا يَدْخُلُ النّارَ ونِسْبَةُ النّارِ الَّتِي في الدُّنْيا إلى النّارِ الَّتِي في الآخِرَةِ دُونَ نِسْبَةِ الشَّوْكِ إلى النّارِ العاجِلَةِ.
وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ قَدْ ذُكِرَ تَفْسِيرُهُ مِرارًا، وبُيِّنَ فِيهِ أنَّ الإيمانَ في مُقابَلَتِهِ المَغْفِرَةُ فَلا يُؤَبَّدُ مُؤْمِنٌ في النّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ في مُقابَلَتِهِ الأجْرُ الكَبِيرُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ .
يَعْنِي لَيْسَ مَن عَمِلَ سَيِّئًا كالَّذِي عَمِلَ صالِحًا، كَما قالَ بَعْدَ هَذا بِآياتٍ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ، ولَهُ تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَهُ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُسِيءِ الكافِرِ والمُحْسِنِ المُؤْمِنِ، وما مِن أحَدٍ يَعْتَرِفُ بِأنَّهُ يَعْمَلُ سَيِّئًا إلّا قَلِيلٌ، فَكانَ الكافِرُ يَقُولُ: الَّذِي لَهُ العَذابُ الشَّدِيدُ هو الَّذِي يَتْبَعُ الشَّيْطانَ وهو مُحَمَّدٌ وقَوْمُهُ الَّذِينَ اسْتَهْوَتْهُمُ الجِنُّ فاتَّبَعُوها، والَّذِي لَهُ الأجْرُ العَظِيمُ نَحْنُ الَّذِينَ دُمْنا عَلى ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُنا فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَسْتُمْ أنْتُمْ بِذَلِكَ فَإنَّ المُحْسِنَ غَيْرٌ، ومَن زُيِّنَ لَهُ العَمَلُ السَّيِّئُ فَرَآهُ حَسَنًا غَيْرٌ، بَلِ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهُمُ السَّيِّئُ دُونَ مَن أساءَ وعَلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ فَإنَّ