< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وقَوْلُهُ تَعالى:﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ إشارَةٌ إلى الإخْلاصِ، أيْ يُنْفِقُونَ لا لِيُقالَ إنَّهُ كَرِيمٌ ولا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ، فَإنَّ غَيْرَ اللَّهِ بائِرٌ، والتّاجِرُ فِيهِ تِجارَتُهُ بائِرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ أيْ ما يَتَوَقَّعُونَهُ ولَوْ كانَ أمْرًا بالِغَ الغايَةِ ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ يُعْطِيهِمْ ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ عِنْدَ العَمَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَزِيدُهُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ كَما جاءَ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ﴾ عِنْدَ إعْطاءِ الأُجُورِ ﴿شَكُورٌ﴾ عِنْدَ إعْطاءِ الزِّيادَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو وُجُودُ اللَّهِ الواحِدِ بِأنْواعِ الدَّلائِلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ وهو الرِّسالَةُ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ وأيْضًا كَأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ تَقْرِيرًا لِما بَيَّنَ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في تِلاوَةِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، فَتالِيهِ مُحِقٌّ ومُحَقِّقٌ، وفي تَفْسِيرِها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما يُقالُ: أُرْسِلَ إلَيَّ كِتابٌ مِنَ الأمِيرِ أوِ الوالِي، وعَلى هَذا فالكِتابُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ يَعْنِي الَّذِي أوْحَيْنا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلَيْكَ حَقٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو القُرْآنُ يَعْنِي الإرْشادَ والتَّبْيِينَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْبَيانِ، كَما يُقالُ: أُرْسِلَ إلى فُلانٍ مِنَ الثِّيابِ والقُماشِ جُمْلَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ حَقٌّ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: إنَّ تَعْرِيفَ الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ في الأكْثَرِ يَكُونُ نَكِرَةً، لِأنَّ الإخْبارَ في الغالِبِ يَكُونُ إعْلامًا بِثُبُوتِ أمْرٍ لا مَعْرِفَةَ لِلسّامِعِ بِهِ لِأمْرٍ يَعْرِفُهُ السّامِعُ، كَقَوْلِنا: زَيْدٌ قامَ، فَإنَّ السّامِعَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عارِفًا بِزَيْدٍ، ولا يَعْلَمُ قِيامَهُ فَيُخْبِرُ بِهِ، فَإذا كانَ الخَبَرُ أيْضًا مَعْلُومًا، فَيَكُونُ الإخْبارُ لِلتَّنْبِيهِ، فَيُعَرَّفانِ بِاللّامِ كَقَوْلِنا: زَيْدٌ العالِمُ في هَذِهِ المَدِينَةِ إذا كانَ عِلْمُهُ مَشْهُورًا.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا؛ لِأنَّ الحَقَّ إذا كانَ لا خِلافَ بَيْنَهُ وبَيْنَ كُتُبِ اللَّهِ يَكُونُ خالِيًا عَنِ احْتِمالِ البُطْلانِ، وفي قَوْلِهِ: مُصَدِّقًا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ وحْيًا؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا كاتِبًا، وأتى بِبَيانِ ما في كُتُبِ اللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وجَوابًا عَنْ سُؤالِ الكُفّارِ، وهو أنَّهم كانُوا

صفحة ٢٢

يَقُولُونَ بِأنَّ التَّوْراةَ ورَدَ فِيها كَذا، والإنْجِيلَ ذُكِرَ فِيهِ كَذا، وكانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ التَّثْلِيثِ وغَيْرِهِ، وكانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ القُرْآنَ فِيهِ خِلافُ ذَلِكَ، فَقالَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَمْ يَبْقَ بِهِما وُثُوقٌ بِسَبَبِ تَغْيِيرِكم، فَهَذا القُرْآنُ ما ورَدَ فِيهِ إنْ كانَ في التَّوْراةِ فَهو حَقٌّ وباقٍ عَلى ما نَزَلَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ويَكُونُ فِيهِ خِلافٌ فَهو لَيْسَ مِنَ التَّوْراةِ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ.

وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الوَحْيَ مُصَدِّقٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الوَحْيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ لَكَذَبَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ في إنْزالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإذا وُجِدَ الوَحْيُ ونَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عُلِمَ جَوازُهُ وصُدِّقَ بِهِ ما تَقَدَّمَ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَ القُرْآنَ مُصَدِّقًا لِما مَضى مَعَ أنَّ ما مَضى أيْضًا مُصَدِّقٌ لَهُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ إذا نَزَلَ عَلى واحِدٍ جازَ أنْ