< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بَلْ ذَكَرَهُ بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ وأخَّرَ السُّودَ الغَرابِيبَ، لِأنَّ الأسْوَدَ لَمّا ذَكَرَهُ مَعَ المُؤَكَّدِ وهو الغَرابِيبُ يَكُونُ بالِغًا غايَةَ السَّوادِ فَلا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قِيلَ بِأنَّ الغِرْبِيبَ مُؤَكِّدٌ لِلْأسْوَدِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، والمُؤَكِّدُ لا يَجِيءُ إلّا مُتَأخِّرًا، فَكَيْفَ جاءَ غَرابِيبُ سُودٌ ؟ نَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَرابِيبُ مُؤَكِّدٌ لِذِي لَوْنٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَوادُ غَرابِيبَ، ثُمَّ أعادَ السُّودَ مَرَّةً أُخْرى وفِيهِ فائِدَةٌ، وهي زِيادَةُ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ مُضْمَرًا ومُظْهَرًا، ومِنهم مَن قالَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ﴾ اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ دَلائِلَ الخَلْقِ في العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وهو عالَمُ المُرَكَّباتِ قِسْمَيْنِ: حَيَوانٌ

صفحة ٢٠

وغَيْرُ حَيَوانٍ، وغَيْرُ الحَيَوانِ إمّا نَباتٌ وإمّا مَعْدِنٌ، والنَّباتُ أشْرَفُ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ المَعْدِنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَيَوانَ، وبَدَأ بِالأشْرَفِ مِنها وهو الإنْسانُ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّوابَّ، لِأنَّ مَنافِعَها في حَياتِها، والأنْعامَ مَنفَعَتُها في الأكْلِ مِنها، أوْ لِأنَّ الدّابَّةَ في العُرْفِ تُطْلَقُ عَلى الفَرَسِ وهو بَعْدَ الإنْسانِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ فَذُكِرَ لِكَوْنِ الإنْسانِ مِن جُمْلَةِ المَذْكُورِينَ، وكَوْنِ التَّذْكِيرِ أعْلى وأوْلى.

* *

ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .

الخَشْيَةُ بِقَدْرِ مَعْرِفَةِ المَخْشِيِّ، والعالِمُ يَعْرِفُ اللَّهَ فَيَخافُهُ ويَرْجُوهُ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العالِمَ أعْلى دَرَجَةً مِنَ العابِدِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ (الحُجُراتِ: ١٣) فَبَيَّنَ أنَّ الكَرامَةَ بِقَدْرِ التَّقْوى، والتَّقْوى بِقَدْرِ العِلْمِ.

فالكَرامَةُ بِقَدْرِ العِلْمِ لا بِقَدْرِ العَمَلِ، نَعَمِ العالِمُ إذا تَرَكَ العَمَلَ قَدَحَ ذَلِكَ في عِلْمِهِ، فَإنَّ مَن يَراهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمَ لَعَمِلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الخَوْفَ والرَّجاءَ، فَكَوْنُهُ عَزِيزًا ذا انْتِقامٍ يُوجِبُ الخَوْفَ التّامَّ، وكَوْنُهُ غَفُورًا لِما دُونَ ذَلِكَ يُوجِبُ الرَّجاءَ البالِغَ. وقِراءَةُ مَن قَرَأ بِنَصْبِ العُلَماءِ ورَفْعِ اللَّهِ، مَعْناها إنَّما يُعَظِّمُ ويُبَجِّلُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ العُلَماءَ بِاللَّهِ وخَشْيَتَهم وكَرامَتَهم بِسَبَبِ خَشْيَتِهِمْ ذَكَرَ العالِمِينَ بِكِتابِ اللَّهِ العامِلِينَ بِما فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الذِّكْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ البَدَنِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ المالِيِّ، وفي الآيَتَيْنِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، فَقَوْلُهُ: إنَّما يَخْشى اللَّهَ إشارَةٌ إلى عَمَلِ القَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عَمَلِ اللِّسانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى عَمَلِ الجَوارِحِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِجانِبِ تَعْظِيمِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مَن يُعَظِّمُ مَلِكًا إذا رَأى عَبْدًا مِن عِبادِهِ في حاجَةٍ يَلْزَمُهُ قَضاءُ حاجَتِهِ، وإنْ تَهاوَنَ فِيهِ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَما عُدْتَنِي، فَيَقُولُ العَبْدُ: كَيْفَ تَمْرَضُ وأنْتَ رَبُّ

صفحة ٢١

العالَمِينَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: مَرِضَ عَبْدِي فُلانٌ وما زُرْتَهُ، ولَوْ زُرْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَعْنِي: التَّعْظِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّفَقَةِ، فَحَيْثُ لا شَفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، لا تَعْظِيمَ لِجانِبِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ حَثٌّ عَلى الإنْفاقِ كَيْفَما يَتَهَيَّأُ، فَإنْ تَهَيَّأ سِرًّا فَذاكَ ونِعْمَ، وإلّا فَعَلانِيَةً، ولا يَمْنَعُهُ ظَنُّهُ أنْ يَكُونَ رِياءً، فَإنَّ تَرْكَ الخَيْرِ مَخافَةَ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ مُراءٍ عَيْنُ الرِّياءِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿سِرًّا﴾ أيْ صَدَقَةً ﴿وعَلانِيَةً﴾ أيْ زَكاةً، فَإنَّ الإعْلانَ بِالزَّكاةِ كالإعْلانِ بِالفَرْضِ وهو مُسْتَحَبٌّ.