< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قَوْمٍ كانُوا يَجِيئُونَ حِينَ الطَّعامِ ويَدْخُلُونَ مِن غَيْرِ إذْنٍ فَمُنِعُوا مِنَ الدُّخُولِ في وقْتِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ، والأوْلى أنْ يُقالَ المُرادُ هو الثّانِي لِأنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ خِلافُ الأصْلِ وقَوْلُهُ:﴿إلى طَعامٍ﴾ مِن بابِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فَلا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، لا سِيَّما إذا عَلِمَ أنَّ غَيْرَهُ مِثْلُهُ فَإنَّ مَن جازَ دُخُولُ بَيْتِهِ بِإذْنِهِ إلى طَعامِهِ جازَ دُخُولُهُ إلى غَيْرِ طَعامِهِ بِإذْنِهِ، فَإنَّ غَيْرَ الطَّعامِ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ مَعَ الطَّعامِ، فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ وقْتَما يَدْعُوهُ إلى طَعامٍ ويَسْتَقْضِيهِ في حَوائِجِهِ ويُعَلِّمُهُ مِمّا عِنْدَهُ مِنَ العُلُومِ مَعَ زِيادَةِ الإطْعامِ، فَإذا رَضِيَ بِالكُلِّ فَرِضاهُ بِالبَعْضِ أقْرَبُ إلى الفِعْلِ، فَيَصِيرُ مِن بابِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾[الإسراء: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ يَعْنِي أنْتُمْ لا تَنْتَظِرُوا وقْتَ الطَّعامِ فَإنَّهُ رُبَّما لا يَتَهَيَّأُ.

صفحة ١٩٤

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ؛ وهي أنَّ العادَةَ إذا قِيلَ لِمَن كانَ يَعْتادُ دُخُولَ دارٍ مِن غَيْرِ إذْنٍ: لا تَدْخُلْها إلّا بِإذْنٍ؛ يَتَأذّى ويَنْقَطِعُ بِحَيْثُ لا يَدْخُلُها أصْلًا لا بِالدُّعاءِ ولا بِغَيْرِ الدُّعاءِ، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا مِثْلَ ما يَفْعَلُهُ المُسْتَنْكِفُونَ، بَلْ كُونُوا طائِعِينَ سامِعِينَ إذا قِيلَ لَكم: لا تَدْخُلُوا؛ لا تَدْخُلُوا، وإذا قِيلَ لَكُمُ: ادْخُلُوا؛ فادْخُلُوا، وإناهُ: قِيلَ: وقْتُهُ، وقِيلَ: اسْتِواؤُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ﴾ يُفِيدُ الجَوازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ يُفِيدُ الوُجُودَ. فَقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ﴾ لَيْسَ تَأْكِيدًا بَلْ هو يُفِيدُ فائِدَةً جَدِيدَةً.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا يُشْتَرَطُ في الإذْنِ التَّصْرِيحُ بِهِ، بَلْ إذا حَصَلَ العِلْمُ بِالرِّضا جازَ الدُّخُولُ، ولِهَذا قالَ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ﴾ مِن غَيْرِ بَيانِ فاعِلٍ، فالآذِنُ إنْ كانَ اللَّهَ أوِ النَّبِيَّ أوِ العَقْلَ المُؤَيَّدَ بِالدَّلِيلِ جازَ، والنَّقْلُ دالٌّ عَلَيْهِ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وحَدُّ الصَّداقَةِ لِما ذَكَرْنا، فَلَوْ جاءَ أبُو بَكْرٍ وعَلِمَ أنْ لا مانِعَ في بَيْتِ عائِشَةَ مِن بُيُوتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَكَشُّفٍ أوْ حُضُورِ غَيْرِ مَحْرَمٍ عِنْدَها، أوْ عَلِمَ خُلُوَّ الدّارِ مِنَ الأهْلِ، أوْ هي مُحْتاجَةٌ إلى إطْفاءِ حَرِيقٍ فِيها أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، جازَ الدُّخُولُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ كانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ أطالَ المُكْثَ يَوْمَ ولِيمَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في عُرْسِ زَيْنَبَ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا، فَوَرَدَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِآدابٍ، مِنها المَنعُ مِن إطالَةِ المُكْثِ في بُيُوتِ النّاسِ، وفي مَعْنى البَيْتِ مَوْضِعٌ مُباحٌ اخْتارَهُ شَخْصٌ لِعِبادَتِهِ أوِ اشْتِغالِهِ بِشُغْلٍ فَيَأْتِيهِ أحَدٌ ويُطِيلُ المُكْثَ عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَطْفٌ عَلى ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ مَجْرُورٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَطْفًا عَلى المَعْنى، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ لا تَدْخُلُوها هاجِمِينَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ أدَبًا وكَوْنَ النَّبِيِّ حَلِيمًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وأدَبٌ، وقَوْلُهُ: (كانَ) إشارَةٌ إلى تَحَمُّلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ أدَبًا آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ لَمّا مَنَعَ اللَّهُ النّاسَ مِن دُخُولِ بُيُوتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ في ذَلِكَ تَعَذُّرُ الوُصُولِ إلى الماعُونِ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ فَلْيَسْألْ ولْيَطْلُبْ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾يَعْنِي: العَيْنُ رَوْزَنَةُ القَلْبِ، فَإذا لَمْ تَرَ العَيْنُ لا يَشْتَهِي القَلْبُ. أمّا إنْ رَأتِ العَيْنُ فَقَدْ يَشْتَهِي القَلْبُ وقَدْ لا يَشْتَهِي، فالقَلْبُ عِنْدَ عَدَمِ