< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فَلَمْ يَبْقَ لَهُ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حاجَةٌ إلى إحْلالِ التَّزَوُّجِ بِمَن وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ تَحْرِيمَ النِّساءِ عَلَيْهِ هَلْ نُسِخَ أمْ لا ؟ فَقالَ الشّافِعِيُّ: نُسِخَ، وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ: «ما ماتَ النَّبِيُّ إلّا وأُحِلَّ لَهُ النِّساءُ»، وعَلى هَذا فالنّاسِخُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿وبَناتِ عَمِّكَ﴾ وقالَ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ لا يَجُوزُ نَسْخُ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ إذِ النّاسِخُ غَيْرُ مُتَواتِرٍ إنْ كانَ خَبَرًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِ المَمْلُوكاتِ لِأنَّ الإيذاءَ لا يَحْصُلُ بِالمَمْلُوكَةِ؛ ولِهَذا لَمْ يَجُزْ لِلرَّجُلِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ضَرَّتَيْنِ في بَيْتٍ لِحُصُولِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما وإمْكانِ المُخاصَمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ الزَّوْجَةَ وجَمْعًا مِنَ المَمْلُوكاتِ لِعَدَمِ التَّساوِي بَيْنَهُنَّ؛ ولِهَذا لا قَسْمَ لَهُنَّ عَلى أحَدٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أيْ حافِظًا عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ قادِرًا عَلَيْهِ، لِأنَّ الحِفْظَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِما.

صفحة ١٩٣

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ .

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في النِّداءِ الثّالِثِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾[الأحزاب: ٤٥] بَيانًا لِحالِهِ مَعَ أُمَّتِهِ العامَّةِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذا النِّداءِ لا تَدْخُلُوا؛ إرْشادًا لَهم وبَيانًا لِحالِهِمْ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الِاحْتِرامِ، ثُمَّ إنَّ حالَ الأُمَّةِ مَعَ النَّبِيِّ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: في حالِ الخَلْوَةِ، والواجِبُ هُناكَ عَدَمُ إزْعاجِهِ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ .

وثانِيهِما: في المَلَأِ، والواجِبُ هُناكَ إظْهارُ التَّعْظِيمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[الأحزاب: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى طَعامٍ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ .

لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ النَّبِيِّ أنَّهُ داعٍ إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾[الأحْزابِ: ٤٦] قالَ هَهُنا: لا تَدْخُلُوا إلّا إذا دُعِيتُمْ يَعْنِي كَما أنَّكم ما دَخَلْتُمُ الدِّينَ إلّا بِدُعائِهِ فَكَذَلِكَ لا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ دُعائِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. والعامِلُ فِيهِ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا تَدْخُلُوا. قالَ: وتَقْدِيرُهُ ولا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا مَأْذُونِينَ غَيْرَ ناظِرِينَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ﴾إمّا أنْ يَكُونَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ ولا تَدْخُلُوا إلى طَعامٍ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم، فَلا يَكُونُ مَنعًا مِنَ الدُّخُولِ في غَيْرِ وقْتِ الطَّعامِ بِغَيْرِ الإذْنِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ فَيَكُونُ مَعْناهُ ولا تَدْخُلُوا إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ فَيَكُونُ الإذْنُ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ إلى الطَّعامِ، فَإنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَكم إلى طَعامٍ فَلا يَجُوزُ الدُّخُولُ فَلَوْ أذِنَ لِواحِدٍ في الدُّخُولِ لِاسْتِماعِ كَلامٍ لا لِأكْلِ طَعامٍ لا يَجُوزُ، نَقُولُ: المُرادُ هو الثّانِي لِيَعُمَّ النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ، وأمّا قَوْلُهُ فَلا يَجُوزُ إلّا بِالإذْنِ الَّذِي إلى طَعامٍ، نَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ مَعَ