< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الَّذِي أُخِذَ مِنهُ، وكَذَلِكَ إنْ غابَ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَذَلِكَ، إذْ كَلُّ صَحابِيٍّ أخَذَ مِنهُ نُورَ الهِدايَةِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: “«أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» “ وفي الخَبَرِ لَطِيفَةٌ وإنْ كانَتْ لَيْسَتْ مِنَ التَّفْسِيرِ، ولَكِنَّ الكَلامَ يَجُرُّ الكَلامَ وهي أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَجْعَلْ أصْحابَهُ كالسُّرُجِ وجَعَلَهم كالنُّجُومِ؛ لِأنَّ النَّجْمَ لا يُؤْخَذُ مِنهُ نُورٌ بَلْ لَهُ في نَفْسِهِ نُورٌ إذا غَرَبَ هو لا يَبْقى نُورٌ مُسْتَفادٌ مِنهُ، وكَذَلِكَ الصَّحابِيُّ إذا ماتَ فالتّابِعِيُّ يَسْتَنِيرُ بِنُورِ النَّبِيِّ

صفحة ١٨٨

عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُؤْخَذُ مِنهُ إلّا قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِعْلُهُ، فَأنْوارُ المُجْتَهِدِينَ كُلِّهِمْ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ جَعَلَهم كالسُّرُجِ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا سِراجٌ كانَ لِلْمُجْتَهِدِ أنْ يَسْتَنِيرَ بِمَن أرادَ مِنهم ويَأْخُذَ النُّورَ مِمَّنِ اخْتارَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ مَعَ نَصِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الصَّحابِيِّ فَيُؤْخَذُ مِنَ النَّبِيِّ النُّورُ ولا يُؤْخَذُ مِنَ الصَّحابِيِّ فَلَمْ يَجْعَلْهُ سِراجًا، وهَذا يُوجِبُ ضَعْفًا في حَدِيثِ سِراجِ الأُمَّةِ والمُحَدِّثُونَ ذَكَرُوهُ، وفي تَفْسِيرِ السِّراجِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْآنُ وتَقْدِيرُهُ: إنّا أرْسَلْناكَ، ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الكافِ أيْ وأرْسَلْنا سِراجًا مُنِيرًا، وعَلى قَوْلِنا إنَّهُ عُطِفَ عَلى مُبَشِّرًا ونَذِيرًا يَكُونُ مَعْناهُ: وذا سِراجٍ؛ لِأنَّ الحالَ لا يَكُونُ إلّا وصْفًا لِلْفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، والسِّراجُ لَيْسَ وصْفًا لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ سِراجًا حَقِيقَةً، أوْ يَكُونُ كَقَوْلِ القائِلِ: رَأيْتُهُ أسَدًا أيْ شُجاعًا فَقَوْلُهُ: ﴿وسِراجًا﴾ أيْ هادِيًا مُبَيِّنًا كالسِّراجِ يُرِي الطَّرِيقَ ويُبَيِّنُ الأمْرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَفْهُومٍ تَقْدِيرُهُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا فاشْهَدْ وبَشِّرْ، ولَمْ يَذْكُرْ فاشْهَدْ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، وأمّا البِشارَةُ فَإنَّها ذُكِرَتْ إبانَةً لِلْكَرَمِ، ولِأنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لَوْلا الأمْرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ هو مِثْلُ قَوْلِهِ: “ وأعَدَّ لَهم أجْرًا عَظِيمًا “ فالعَظِيمُ والكَبِيرُ مُتَقارِبانِ وكَوْنُهُ مِنَ اللَّهِ كَبِيرٌ فَكَيْفَ إذا كانَ مَعَ ذَلِكَ كَبارَةٌ أُخْرى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾

إشارَةٌ إلى الإنْذارِ يَعْنِي خالِفْهم ورُدَّ عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ أيْ دَعْهُ إلى اللَّهِ فَإنَّهُ يُعَذِّبُهم بِأيْدِيكم وبِالنّارِ، ويُبَيِّنُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيِ اللَّهُ كافٍ عَبْدَهُ، قالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ: لا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالوَكِيلِ لِأنَّ الوَكِيلَ أدْوَنُ مِنَ المُوَكَّلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وشُبْهَتُهُ واهِيَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الوَكِيلَ قَدْ يُوَكَّلُ لِلتَّرَفُّعِ وقَدْ يُوَكَّلُ لِلْعَجْزِ، واللَّهُ وكِيلُ عِبادِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنِ التَّصَرُّفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ يَتَبَيَّنُ إذا نَظَرْتَ في الأُمُورِ الَّتِي لِأجْلِها لا يَكْفِي الوَكِيلُ الواحِدُ مِنها أنْ لا يَكُونَ قَوِيًّا قادِرًا عَلى العَمَلِ كالمَلِكِ الكَثِيرِ الأشْغالِ يَحْتاجُ إلى وُكَلاءَ لِعَجْزِ الواحِدِ عَنِ القِيامِ بِجَمِيعِ أشْغالِهِ، ومِنها أنْ لا يَكُونَ عالِمًا بِما فِيهِ التَّوْكِيلُ، ومِنها أنْ لا يَكُونَ غَنِيًّا، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ قادِرٌ وغَيْرُ مُحْتاجٍ فَيَكْفِي وكِيلًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾

وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ مَكارِمَ الأخْلاقِ وأدَّبَ نَبِيَّهُ عَلى ما

صفحة ١٨٩

ذَكَرْناهُ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ المُرْسَلَ، فَكُلَّما ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ مَكْرُمَةً وعَلَّمَهُ أدَبًا ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما يُناسِبُهُ، فَكَما بَدَأ