< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah033
Al-Ahzaab (33)
The Clans, madinah, 73 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ، كَما قالَ تَعالى:﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ وقالَ: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
صفحة ١٨٧
والمُتَعارِفانِ إذا التَقَيا وكانَ أحَدُهُما شَفِيقًا بِالآخَرِ والآخَرُ مُعَظِّمًا لَهُ غايَةَ التَّعْظِيمِ لا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُما إلّا السَّلامُ وأنْواعُ الإكْرامِ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ السُّورَةَ فِيها تَأْدِيبٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن رَبِّهِ فَقَوْلُهُ في ابْتِدائِها: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ رَبِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ أهْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ عامَّةِ الخَلْقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شاهِدًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:أحَدُها: أنَّهُ شاهِدٌ عَلى الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾[البقرة: ١٤٣] وعَلى هَذا فالنَّبِيُّ بُعِثَ شاهِدًا أيْ مُتَحَمِّلًا لِلشَّهادَةِ ويَكُونُ في الآخِرَةِ شَهِيدًا أيْ مُؤَدِّيًا لِما تَحَمَّلَهُ.
ثانِيها: أنَّهُ شاهِدٌ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وعَلى هَذا لَطِيفَةٌ وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ النَّبِيَّ شاهِدًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ، والشّاهِدُ لا يَكُونُ مُدَّعِيًا، فاللَّهُ تَعالى لَمْ يَجْعَلِ النَّبِيَّ في مَسْألَةِ الوَحْدانِيَّةِ مُدَّعِيًا لَها لِأنَّ المُدَّعِيَ مَن يَقُولُ شَيْئًا عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، والوَحْدانِيَّةُ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ادَّعى النُّبُوَّةَ فَجَعَلَ اللَّهُ نَفْسَهُ شاهِدًا لَهُ في مُجازاةِ كَوْنِهِ شاهِدًا لِلَّهِ فَقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ .
وثالِثُها: أنَّهُ شاهِدٌ في الدُّنْيا بِأحْوالِ الآخِرَةِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ والمِيزانِ والصِّراطِ، وشاهِدٌ في الآخِرَةِ بِأحْوالِ الدُّنْيا بِالطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والصَّلاحِ والفَسادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾﴿وداعِيًا﴾ فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أُرْسِلَ شاهِدًا بِقَوْلِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويُرَغِّبُ في ذَلِكَ بِالبِشارَةِ، فَإنْ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ يُرْهِبْ بِالإنْذارِ ثُمَّ لا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بَلْ يَدْعُوهم إلى سَبِيلِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾[النحل: ١٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ أيْ مُبَرْهِنًا عَلى ما يَقُولُ مُظْهِرًا لَهُ بِأوْضَحِ الحُجَجِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾[النحل: ١٢٥] .
وفِيهِ لَطائِفُ.
إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وشاهِدًا بِإذْنِهِ ومُبَشِّرًا، وعِنْدَ الدُّعاءِ قالَ: وداعِيًا بِإذْنِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَقُولُ عَنْ مَلِكٍ إنَّهُ مَلِكُ الدُّنْيا لا غَيْرُهُ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى إذْنٍ مِنهُ فَإنَّهُ وصَفَهُ بِما فِيهِ، وكَذَلِكَ إذا قالَ مَن يُطِيعُهُ يَسْعَدُ، ومَن يَعْصِيهِ يَشْقى يَكُونُ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ولا يَحْتاجُ إلى إذْنٍ مِنَ المَلِكِ في ذَلِكَ، وأمّا إذا قالَ: تَعالَوْا إلى سِماطِهِ، واحْضُرُوا عَلى خِوانِهِ يَحْتاجُ فِيهِ إلى إذْنِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ .
ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ النَّبِيَّ يَقُولُ: إنِّي أدْعُو إلى اللَّهِ والوَلِيُّ يَدْعُو إلى اللَّهِ، والأوَّلُ لا إذْنَ لَهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، والثّانِي مَأْذُونٌ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾[يوسف: ١٠٨] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: “ «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقالَتِي فَأدّاها كَما سَمِعَها» “ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ هو المَأْذُونُ مِنَ اللَّهِ في الدُّعاءِ إلَيْهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وسِراجًا﴾ولَمْ يَقُلْ إنَّهُ شَمْسٌ مَعَ أنَّهُ أشَدُّ إضاءَةً مِنَ السِّراجِ لِفَوائِدَ مِنها: أنَّ الشَّمْسَ نُورُها لا يُؤْخَذُ مِنهُ شَيْءٌ والسِّراجُ يُؤْخَذُ مِنهُ أنْوارٌ كَثِيرَةٌ، فَإذا انْطَفَأ الأوَّلُ يَبْقى