< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah032
As-Sajda (32)
The Prostration, makkah, 30 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
جاهِلًا مُرَكَّبًا، وعَدَمُ العِلْمِ الجَهْلُ المُرَكَّبُ كالسُّكُوتِ والكَذِبِ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ السُّكُوتَ خَيْرٌ مِنَ الكَذِبِ.
وأمّا إنَّهُ أقْرَبُ إلى الحِكْمَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ مَن يُطالِعُ كِتابًا صَنَّفَهُ إنْسانٌ، وكَتَبَ لَهُ شَرْحًا، والشّارِحُ دُونَ المُصَنِّفِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَأْتِي عَلى جَمِيعِ ما أتى عَلَيْهِ المُصَنِّفُ؛ ولِهَذا كَثِيرًا ما نَرى أنَّ الإنْسانَ يُورِدُ الإشْكالاتِ عَلى المُصَنِّفِ المُتَقَدِّمِ ثُمَّ يَجِيءُ مَن يَنْصُرُ كَلامَهُ ويَقُولُ: لَمْ يُرِدِ المُصَنِّفُ هَذا، وإنَّما أرادَ كَذا وكَذا. وإذا كانَ حالُ الكُتُبِ الحادِثَةِ الَّتِي تُكْتَبُ عَنْ عِلْمٍ قاصِرٍ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِالكِتابِ العَزِيزِ الَّذِي فِيهِ كُلُّ حِكْمَةٍ، يَجُوزُ أنْ يَدَّعِيَ جاهِلٌ أنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ في هَذا الكِتابِ، وكَيْفَ ولَوِ ادَّعى عالِمٌ أنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ وكُلَّ فائِدَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الكِتابُ الفُلانِيُّ؛ يُسْتَقْبَحُ مِنهُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ عَلِمَ كُلَّ ما في كِتابِ اللَّهِ ؟ !
ثُمَّ لَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كُلَّ ما أنْزَلَهُ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ، ولَعَلَّ في القُرْآنِ ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُ نَبِيِّهِ؛ فَبَيَّنَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. إذا ثَبَتَ هَذا عُلِمَ أنَّ في القُرْآنِ ما لا يُعْلَمُ، وهَذا أقْرَبُ إلى ذَلِكَ الَّذِي لا يُعْلَمُ، لِلتَّشابُهِ البالِغِ الَّذِي فِيهِ، لَكِنَّ هَذا المَذْهَبَ لَهُ شَرْطٌ، وهو أنْ يَنْفِيَ بَعْضَ ما يَعْلَمُهُ، قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ، وهَذا لِأنَّ قائِلًا إذا قالَ: إنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ قُرْءِ فُلانَةَ، يُعْلَمُ أنَّهُ لا يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ مَوْتِ فُلانَةَ، ولا يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ سَفَرِ فُلانَةَ، وإنَّما المُرادُ مُنْحَصِرٌ في الطُّهْرِ أوِ الحَيْضِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يُعْلَمُ أنَّ المُرادَ لَيْسَ ما يُوجِبُ نَقْصًا في ذاتِهِ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، والجُلُوسُ والِاسْتِقْرارُ المَكانِيُّ مِن ذَلِكَ البابِ؛ فَيَجِبُ القَطْعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ، والتَّوَقُّفُ فِيما يَجُوزُ بَعْدَهُ.
والمَذْهَبُ الثّانِي: خَطَرٌ، ومَن يَذْهَبُ إلَيْهِ فَرِيقانِ: أحَدُهُما: مَن يَقُولُ المُرادُ ظاهِرُهُ وهو القِيامُ والِانْتِصابُ أوِ الِاسْتِقْرارُ المَكانِيُّ، وثانِيهِما: مَن يَقُولُ المُرادُ الِاسْتِيلاءُ. والأوَّلُ جَهْلٌ مَحْضٌ، والثّانِي يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَهْلًا. والأوَّلُ مَعَ كَوْنِهِ جَهْلًا هو بِدْعَةٌ وكادَ يَكُونُ كُفْرًا، والثّانِي وإنْ كانَ جَهْلًا فَلَيْسَ بِجَهْلٍ يُورِثُ بِدْعَةً، وهَذا كَما أنَّ واحِدًا إذا اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ الكُفّارَ ولا يُعاقِبُ أحَدًا مِنهم، يَكُونُ جَهْلًا وبِدْعَةً وكُفْرًا، وإذا اعْتَقَدَ أنَّهُ يَرْحَمُ زَيْدًا الَّذِي هو مَسْتُورُ
صفحة ١٤٨
الحالِ لا يَكُونُ بِدْعَةً، غايَةُ ما يَكُونُ أنَّهُ اعْتِقادٌ غَيْرُ مُطابِقٍ، ومِمّا قِيلَ فِيهِ: إنَّ المُرادَ مِنهُ اسْتَوى عَلى مُلْكِهِ، والعَرْشُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ المُلْكِ، يُقالُ: المَلِكُ قَعَدَ عَلى سَرِيرِ المَمْلَكَةِ بِالبَلْدَةِ الفُلانِيَّةِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْها، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾[المائدة: ٦٤] إشارَةٌ إلى البُخْلِ، مَعَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِأنَّ عَلى يَدِ اللَّهِ غُلًّا عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، ولَوْ كانَ مُرادُ اللَّهِ ذَلِكَ لَكانَ كَذِبًا -جَلَّ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ- ثُمَّ لِهَذا فَضْلُ تَقْرِيرٍ، وهو أنَّ المُلُوكَ عَلى دَرَجاتٍ، فَمَن يَمْلِكُ مَدِينَةً صَغِيرَةً أوْ بِلادًا يَسِيرَةً ما جَرَتِ العادَةُ بِأنْ يَجْلِسَ أوَّلَ ما يَجْلِسُ عَلى سَرِيرٍ، ومَن يَكُونُ سُلْطانًا يَمْلِكُ البِلادَ الشّاسِعَةَ والدِّيارَ الواسِعَةَ، وتَكُونُ المُلُوكُ في خِدْمَتِهِ يَكُونُ لَهُ سَرِيرٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وقُدّامَهُ كُرْسِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وزِيرُهُ، فالعَرْشُ والكُرْسِيُّ في العادَةِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ عَظَمَةِ المَمْلَكَةِ، فَلَمّا كانَ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ في غايَةِ العَظَمَةِ، عَبَّرَ بِما يُنْبِئُ في العُرْفِ عَنِ العَظَمَةِ، ومِمّا يُنَبِّهُكَ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا﴾[الإنسان: ٢]، ﴿إنّا زَيَّنّا﴾[الصافات: ٦]، ﴿نَحْنُ أقْرَبُ﴾