< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنَّ التَّخْصِيصَ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وإنْ قالَ بِهِ قائِلٌ لَكِنَّهُ وافَقَ غَيْرَهُ في أنَّ التَّخْصِيصَ إنْ كانَ لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ نَفْيِ ما عَداهُ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ، وهاهُنا وُجِدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْذارَهم كانَ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾[الشعراء: ٢١٤] ولَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ لا يُنْذِرُ غَيْرَهم أوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإنْذارِ غَيْرِهِمْ، وإنْذارُ المُشْرِكِينَ كانَ أوْلى، لِأنَّ إنْذارَهم كانَ بِالتَّوْحِيدِ والحَشْرِ، وأهْلُ الكِتابِ لَمْ يُنْذَرُوا إلّا بِسَبَبِ إنْكارِهِمُ الرِّسالَةَ فَكانُوا أوْلى بِالذِّكْرِ، فَوَقَعَ التَّخْصِيصُ لِأجْلِ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: هو أنَّ عَلى ما ذَكَرْنا لا يُرَدُّ ما ذَكَرَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَدْ ضَلُّوا ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ضَلالِهِمْ فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إلى الكُلِّ عَلى دَرَجَةٍ سَواءٍ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ حُسْنُ ما اخْتَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي تُنْذِرُهم راجِيًا أنْتَ اهْتِداءَهم.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ بَيَّنَ ما عَلى الرَّسُولِ مِنَ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ وإقامَةِ الدَّلِيلِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ “ اللَّهُ “ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ “ الَّذِي خَلَقَ “ يَعْنِي اللَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَخْلُقْهُما إلّا واحِدٌ فَلا إلَهَ إلّا واحِدٌ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ إشارَةٌ إلى سِتَّةِ أحْوالٍ في نَظَرِ النّاظِرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أشْياءَ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها ذاتٌ وصِفَةٌ، فَنَظَرًا إلى خَلْقِهِ ذاتَ السَّماواتِ حالَةٌ، ونَظَرًا إلى خَلْقِهِ صِفاتِها أُخْرى، ونَظَرًا إلى ذاتِ الأرْضِ وإلى صِفاتِها كَذَلِكَ، ونَظَرًا إلى ذَواتِ ما بَيْنَهُما، وإلى صِفاتِها كَذَلِكَ فَهي سِتَّةُ أشْياءَ عَلى سِتَّةِ أحْوالٍ، وإنَّما ذَكَرَ الأيّامَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا نَظَرَ إلى الخَلْقِ رَآهُ فِعْلًا،

صفحة ١٤٧

والفِعْلُ ظَرْفُهُ الزَّمانُ، والأيّامُ أشْهَرُ الأزْمِنَةِ، وإلّا فَقَبْلَ السَّماواتِ لَمْ يَكُنْ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وهَذا مِثْلُ ما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ:

إنَّ يَوْمًا وُلِدْتَ فِيهِ كانَ يَوْمًا مُبارَكًا

وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وُلِدَ لَيْلًا ولا يَخْرُجُ عَنْ مُرادِهِ؛ لِأنَّ المُرادَ هو الزَّمانُ الَّذِي هو ظَرْفُ وِلادَتِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ اعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها عَلى وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: تَرْكُ التَّعَرُّضِ إلى بَيانِ المُرادِ.

وثانِيهُما: التَّعَرُّضُ إلَيْهِ. والأوَّلُ أسْلَمُ وإلى الحِكْمَةِ أقْرَبُ، أمّا أنَّهُ أسْلَمُ؛ فَذَلِكَ لِأنَّ مَن قالَ أنا لا أتَعَرَّضُ إلى بَيانِ هَذا ولا أعْرِفُ المُرادَ مِن هَذا، لا يَكُونُ حالُهُ إلّا حالَ مَن يَتَكَلَّمُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ الكَلامِ أوْ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأُصُولَ ثَلاثَةٌ: التَّوْحِيدُ والقَوْلُ بِالحَشْرِ والِاعْتِرافُ بِالرُّسُلِ. لَكِنَّ الحَشْرَ أجْمَعْنا واتَّفَقْنا أنَّ العِلْمَ بِهِ واجِبٌ، والعِلْمُ بِتَفْصِيلِهِ أنَّهُ مَتى يَكُونُ غَيْرَ واجِبٍ، ولِهَذا قالَ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾[لقمان: ٣٤]فَكَذَلِكَ اللَّهُ يَجِبُ مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ الكَمالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وتَعالِيهِ عَنْ وصَماتِ الإمْكانِ وصِفاتِ النُّقْصانِ، ولا يَجِبُ أنْ يَعْلَمَ جَمِيعَ صِفاتِهِ كَما هي، وصِفَةُ الِاسْتِواءِ مِمّا لا يَجِبُ العِلْمُ بِها، فَمَن تَرَكَ التَّعَرُّضَ إلَيْهِ لَمْ يَتْرُكْ واجِبًا، وأمّا مَن يَتَعَرَّضُ إلَيْهِ فَقَدْ يُخْطِئُ فِيهِ فَيَعْتَقِدُ خِلافَ ما هو عَلَيْهِ، فالأوَّلُ غايَةُ ما يَلْزَمُهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ، والثّانِي يَكادُ أنْ يَقَعَ في أنْ يَكُونَ