< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أمْرٍ مِن خارِجٍ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَفْعَلُ كَذا رَجاءَ كَذا، كَما يُقالُ: يَتَّجِرُ رَجاءَ أنْ يَرْبَحَ، وإنْ حَصَلَ لِلتّاجِرِ جَزْمٌ بِالرِّبْحِ لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في صِحَّةِ قَوْلِنا يَرْجُو لِما أنَّ الجَزْمَ غَيْرُ حاصِلٍ نَظَرًا إلى التِّجارَةِ، وإنْ كانَ الجَزْمُ حاصِلًا نَظَرًا إلى الفِعْلِ، لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَرْجُو، وإنْ كانَ ذَلِكَ الجَزْمُ يَحْتَمِلُ خِلافَهُ كَقَوْلِ القائِلِ: فُلانٌ حَزَّ رَقَبَةَ عَدُوِّهِ رَجاءَ أنْ يَمُوتَ، لا يَصِحُّ لِحُصُولِهِ الجَزْمُ بِالمَوْتِ عَقِيبَ الحَزِّ نَظَرًا إلَيْهِ، وإنْ أمْكَنَ أنْ لا يَمُوتَ نَظَرًا إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

ويُصَحِّحُ قَوْلَنا قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾[الشعراء: ٨٢] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالمَغْفِرَةِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ الجَزْمُ حاصِلًا مِن نَفْسِ الفِعْلِ أطْلَقَ عَلَيْهِ الطَّمَعَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾[العنكبوت: ٣٦] مَعَ أنَّ الجَزْمَ بِهِ لازِمٌ.

إذا عُلِمَ ما ذَكَرْنا فَنَقُولُ: في كُلِّ صُورَةٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: “ لَعَلَّهم “ فَإنْ نَظَرْنا إلى الفِعْلِ لا يَلْزَمُ الجَزْمُ، فَإنَّ مِنَ التَّعْذِيبِ لا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لُزُومًا بَيِّنًا فَصَحَّ قَوْلُنا: يَرْجُو وإنْ كانَ عِلْمُهُ حاصِلًا بِما يَكُونُ. غايَةُ ما في البابِ أنَّ الرَّجاءَ في أكْثَرِ الأمْرِ اسْتُعْمِلَ فِيما لا يَكُونُ الأمْرُ مَعْلُومًا فَأوْهَمَ أنْ لا يَجُوزَ الإطْلاقُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ التَّرَجِّي يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ العِلْمِ، وإنَّما يَلْزَمُ عَدَمُ الجَزْمِ بِناءً عَلى ذَلِكَ

صفحة ١٦١

الفِعْلِ، وعِلْمُ اللَّهِ لَيْسَ مُسْتَفادًا مِنَ الفِعْلِ فَيَصِحُّ حَقِيقَةُ التَّرَجِّي في حَقِّهِ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ يَعْنِي لَنُذِيقَنَّهم ولا يَرْجِعُونَ فَيَكُونُونَ قَدْ ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ مِنَ النِّعَمِ أوَّلًا والنِّقَمِ ثانِيًا ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَلا أظْلِمُ مِنهم أحَدًا؛ لِأنَّ مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ظالِمٌ، فَإنَّ اللَّهَ لِذَوِي البَصائِرِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ المُسْتَنِيرُ الباطِنُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، بَلْ هو شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت: ٥٣] أيْ دَلِيلُكَ اللَّهُ لا تَحْتاجُ، بِتَأْثِيرِ الباطِنِ إلى دَلِيلٍ عَلى اللَّهِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَمَن لَمْ يَكْفِهِ اللَّهُ فَسائِرُ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ فِيها نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ كافٍ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾[فصلت: ٥٣] فَإنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ فَبِسَبْغِهِ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً، فالأوَّلُ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ اللَّهِ هو عَدْلٌ، والثّانِي الَّذِي يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ فَهو مُتَوَسِّطٌ، والثّالِثُ الَّذِي لَمْ تَكِفْهِ الآفاقُ ظالِمٌ، والرّابِعُ الَّذِي لَمْ تُقْنِعْهُ النِّعَمُ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ الظّالِمِ، وقَدْ يَكُونُ أظْلَمَ مِنهُ آخَرُ، وهو الَّذِي إذا أُذِيقَ العَذابَ لا يَرْجِعُ عَنْ ضَلالَتِهِ، فَإنَّ الأكْثَرَ كانَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعُوا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَهَذا لَمّا عُذِّبَ ولَمْ يَرْجِعْ فَلا أظْلَمَ مِنهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ العَذابُ الأدْنى فَأنا مُنْتَقِمٌ مِنهم بِالعَذابِ الأكْبَرِ

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا