< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah032
As-Sajda (32)
The Prostration, makkah, 30 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإلَهَ لا يَسْكُنُ عَنْهم بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالِ أمْرٍ مُؤْلِمٍ يُجَدَّدُ، وقَوْلُهُ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يُقَرِّرُ ما ذَكَرْنا، ومَعْناهُ أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِعَذابِ النّارِ، فَلَمّا ذاقُوهُ كانَ أشَدَّ إيلامًا؛ لِأنَّ مَن لا يَتَوَقَّعُ شَيْئًا فَيُصِيبُهُ يَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا، ثُمَّ إنَّهم في الآخِرَةِ كَما في الدُّنْيا يَجْزِمُونَ أنْ لا عَذابَ إلّا وقَدْ وصَلَ إلَيْهِمْ ولا يَتَوَقَّعُونَ شَيْئًا آخَرَ مِنَ العَذابِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ أشَدُّ مِنَ الأوَّلِ، وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذَنْ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا بَلْ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ وقِيلَ لَهم: ذُوقُوا عَذابًا كَذَّبْتُمْ بِهِ مِن قَبْلُ. أمّا في الدُّنْيا بِقَوْلِكم: لا عَذابَ في الآخِرَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِقَوْلِكم: لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ.
ثُمَّ لَمّا هَدَّدَهم قالَ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
صفحة ١٦٠
يَعْنِي قَبْلَ عَذابِ الآخِرَةِ نُذِيقُهم عَذابَ الدُّنْيا، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا لا نِسْبَةَ لَهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ عَذابَ الدُّنْيا لا يَكُونُ شَدِيدًا، ولا يَكُونُ مَدِيدًا، فَإنَّ العَذابَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا يُهْلِكُ فَيَمُوتُ المُعَذَّبُ ويَسْتَرِيحُ مِنهُ فَلا يَمْتَدُّ، وإنْ أرادَ المُعَذَّبُ أنْ يَمْتَدَّ عَذابُ المُعَذَّبِ لا يُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ في غايَةِ الشِّدَّةِ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَشَدِيدٌ ومَدِيدٌ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ في مُقابَلَتِهِ العَذابُ الأقْصى، والعَذابُ الأكْبَرُ في مُقابَلَتِهِ العَذابُ الأصْغَرُ، فَما الحِكْمَةُ في مُقابَلَةِ الأدْنى بِالأكْبَرِ ؟ فَنَقُولُ: حَصَلَ في عَذابِ الدُّنْيا أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ قَرِيبٌ، والآخَرُ أنَّهُ قَلِيلٌ صَغِيرٌ. وحَصَلَ في عَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بَعِيدٌ والآخَرُ أنَّهُ عَظِيمٌ كَثِيرٌ. لَكِنَّ القُرْبَ في عَذابِ الدُّنْيا هو الَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ، فَإنَّ العَذابَ العاجِلَ وإنْ كانَ قَلِيلًا قَدْ يَحْتَرِزُ مِنهُ بَعْضُ النّاسِ أكْثَرَ مِمّا يَحْتَرِزُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ إذا كانَ آجِلًا، وكَذا الثَّوابُ العاجِلُ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ بَعْضُ النّاسِ ويَسْتَبْعِدُ الثَّوابَ العَظِيمَ الآجِلَ، وأمّا في عَذابِ الآخِرَةِ فالَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ هو العَظِيمُ والكَبِيرُ لا البَعِيدُ لِما بَيَّنّا، فَقالَ في عَذابِ الدُّنْيا: ﴿العَذابِ الأدْنى﴾ لِيَحْتَرِزَ العاقِلُ عَنْهُ، ولَوْ قالَ: لَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأصْغَرِ، ما كانَ يَحْتَرِزُ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وعَدَمِ فَهْمِ كَوْنِهِ عاجِلًا. وقالَ في عَذابِ الآخِرَةِ ﴿الأكْبَرِ﴾ لِذَلِكَ المَعْنى، ولَوْ قالَ: دُونَ العَذابِ الأبْعَدِ الأقْصى لَما حَصَلَ التَّخْوِيفُ بِهِ مِثْلَ ما يَحْصُلُ بِوَصْفِهِ بِالكِبَرِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتارَ اللَّهُ تَعالى في العَذابَيْنِ الوَصْفَ الَّذِي هو أصْلَحُ لِلتَّخْوِيفِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الآخَرَيْنِ فِيهِما لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لَعَلَّ هَذِهِ لِلتَّرَجِّي، واللَّهُ تَعالى مُحالٌ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْناهُ لَنُذِيقَنَّهم إذاقَةَ الرّاجِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ يَعْنِي تَرَكْناكم كَما يُتْرَكُ النّاسِي حَيْثُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أصْلًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا نُذِيقُهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُ بِالرّاجِي مِنَ التَّدْرِيجِ.
وثانِيهِما: مَعْناهُ نُذِيقُهُمُ العَذابَ إذاقَةً يَقُولُ القائِلُ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ بِسَبَبِهِ، ونَزِيدُ وجْهًا آخَرَ مِن عِنْدِنا، وهو أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَتْلُوهُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ يَصِحُّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ الفِعْلِ بِذَلِكَ الأمْرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ اتَّجَرَ لِيَرْبَحَ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّعْلِيلَ إنْ كانَ في مَوْضِعٍ لا يَحْصُلُ الجَزْمُ بِحُصُولِ الأمْرِ مِنَ الفِعْلِ نَظَرًا إلى نَفْسِ الفِعْلِ، وإنْ حَصَلَ الجَزْمُ والعِلْمُ بِناءً عَلى