< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah031
Luqman (31)
Luqman, makkah, 34 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
«المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى، والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ» “ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ الأكْلِ وكَثْرَتِهِ مِن غَيْرِ إرادَةِ السَّبْعَةِ بِخُصُوصِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أبْوابٍ بِهَذا التَّفْسِيرِ، ثُمَّ عَلى هَذا فَقَوْلُنا: لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ إشارَةٌ إلى زِيادَتِها، فَإنَّ فِيها الحُسْنى وزِيادَةً، فَلَها أبْوابٌ كَثِيرَةٌ وزائِدَةٌ عَلى كَثْرَةِ غَيْرِها، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في السَّبْعَةِ أنَّ العَرَبَ عِنْدَ الثّامِنِ يَزِيدُونَ واوًا، يَقُولُ الفَرّاءُ إنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّ العَدَدَ بِالسَّبْعَةِ يَتِمُّ في العُرْفِ، ثُمَّ بِالثّامِنِ اسْتِئْنافٌ جَدِيدٌ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ في الأقْلامِ المَدَدَ، لِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هو أنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَجَرَةٍ مَوْجُودَةٍ أقْلامٌ، فَتَكُونُ الأقْلامُ أكْثَرَ مِنَ الأشْجارِ المَوْجُودَةِ، وقَوْلُهُ في البَحْرِ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ البَحْرَ لَوْ كانَ أكْثَرَ مِنَ المَوْجُودِ لاسْتَوى القَلَمُ والبَحْرُ في المَعْنى.
والثّانِي: هو أنَّ النُّقْصانَ بِالكِتابَةِ يَلْحَقُ المِدادَ أكْثَرَ، فَإنَّهُ هو النّافِدُ، والقَلَمُ الواحِدُ يُمْكِنُ أنْ يُكْتَبَ بِهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ المَدَدَ في البَحْرِ الَّذِي هو كالمِدادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَلَكُوتَهُ كَثِيرٌ، أشارَ إلى ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ، فَيَكُونُ لَهُ مَقْدُوراتٌ لا نِهايَةَ لَها، وإلّا لانْتَهَتِ القُدْرَةُ إلى حَيْثُ لا تَصْلُحُ لِلْإيجادِ، وهو حَكِيمٌ كامِلُ العِلْمِ، فَفي عِلْمِهِ ما لا نِهايَةَ لَهُ، فَتَحَقَّقَ أنَّ البَحْرَ لَوْ كانَ مِدادًا لَما نَفِدَ ما في عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ذَكَرَ ما يُبْطِلُ اسْتِبْعادَهم لِلْحَشْرِ، وقالَ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ومَن لا نَفادَ لِكَلِماتِهِ، يَقُولُ لِلْمَوْتى كُونُوا فَيَكُونُوا.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ، بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ، فَإذًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى البَعْثِ ومُحِيطًا بِالأقْوالِ والأفْعالِ يُوجِبُ ذَلِكَ الِاجْتِنابَ التّامَّ والِاحْتِرازَ الكامِلَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ وجْهَ التَّرْتِيبِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى وجْهِ العُمُومِ ذَكَرَ مِنها بَعْضَ ما هو فِيهِما عَلى وجْهِ الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ إشارَةٌ إلى ما في السَّماواتِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾[لقمان: ٣١] إشارَةٌ إلى ما في الأرْضِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّ وجْهَهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ البَعْثَ وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾[الجاثية: ٢٤] والدَّهْرُ هو اللَّيالِي والأيّامُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذِهِ اللَّيالِي والأيّامُ الَّتِي تَنْسُبُونَ إلَيْها المَوْتَ والحَياةَ هي بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾
ثُمَّ إنَّ قائِلًا لَوْ قالَ: إنَّ ذَلِكَ اخْتِلافٌ مُسَيَّرٌ، الشَّمْسُ تارَةً تَكُونُ القَوْسَ الَّتِي هي فَوْقَ الأرْضِ أكْثَرُ مِنَ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ، فَيَكُونُ اللَّيْلُ أقْصَرَ والنَّهارُ أطْوَلَ، وتارَةً تَكُونُ بِالعَكْسِ وتارَةً يَتَساوَيانِ فَيَتَساوَيانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ لا تَعْتَرِفُونَ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها