< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


في اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: اللَّهُ ذَكَرَ كُلَّ شَيْءٍ في التَّوْراةِ ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَقالَ: الَّذِي في التَّوْراةِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا قَطْرَةً مِن بِحارٍ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.

وقِيلَ أيْضًا: إنَّها نَزَلَتْ في واحِدٍ قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّكَ تَقُولُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾[الإسراء: ٨٥] وتَقُولُ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[البقرة: ٢٦٩] فَنَزَلَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ وعُلُومِهِ قَلِيلٌ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّها نَزَلَتْ رَدًّا عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا بِأنَّ ما يُورِدُهُ مُحَمَّدٌ سَيَنْفَدُ، فَقالَ: إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وهو لا يَنْفَدُ.

وما ذُكِرَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ يُنافِي ما ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الكَلامُ. فَنَقُولُ: ما ذَكَرْتُمْ مِنَ اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ إذا صَلَحَ جَوابًا لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، وهي مُتَبايِنَةُ، عُلِمَ أنَّها عامَّةٌ، وما ذَكَرْنا لا يُنافِي هَذا؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ عَجِيبٌ مُعْجِزٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وإذا قُلْنا بِأنَّ عَجائِبَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها دَخَلَ فِيها كَلامُهُ، لا يُقالُ: إنَّكَ جَعَلْتَ الكَلامَ مَخْلُوقًا؛ لِأنّا نَقُولُ: المَخْلُوقُ هو الحَرْفُ والتَّرْكِيبُ، وهو عَجِيبٌ، وأمّا الكَلِماتُ فَهي مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ، وإنْ كانَتْ نازِلَةً عَلى تَرْتِيبِ غَيْرِ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ، ولَكِنَّ التَّرْتِيبَ المَكْتُوبَ عَلَيْهِ القُرْآنُ بِأمْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ بِأمْرِ الرَّسُولِ كُتِبَ كَذَلِكَ، وأمْرُ الرَّسُولِ مِن أمْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُحَقَّقٌ مُتَيَقَّنٌ مِن سُنَنِ التَّرْتِيبِ الَّذِي فِيهِ. ثُمَّ إنَّ الآيَةَ فِيها لَطائِفُ.

الأُولى: قالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وحَّدَ الشَّجَرَةَ، وجَمَعَ الأقْلامَ، ولَمْ يَقُلْ ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْجارِ أقْلامٌ، ولا قالَ: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ قَلَمٌ، إشارَةً إلى التَّكْثِيرِ، يَعْنِي ولَوْ أنَّ بِعَدَدِ كُلِّ شَجَرَةٍ أقْلامًا.

الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ تَعْرِيفُ البَحْرِ بِاللّامِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ،

صفحة ١٣٨

وكُلُّ بَحْرٍ مِدادٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ إشارَةٌ إلى بِحارٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ، يَعْنِي لَوْ مُدَّتِ البِحارُ المَوْجُودَةُ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ أُخَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَةُ﴾ لَيْسَ لِانْحِصارِها في سَبْعَةٍ، وإنَّما الإشارَةُ إلى المَدَدِ والكَثْرَةِ ولَوْ بِألْفِ بَحْرٍ، والسَّبْعَةُ خُصِّصَتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الأعْدادِ؛ لِأنَّها عَدَدٌ كَثِيرٌ يَحْصُرُ المَعْدُوداتِ في العادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هو أنَّ ما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، هو الزَّمانُ والمَكانُ؛ لِأنَّ المَكانَ فِيهِ الأجْسامُ، والزَّمانَ فِيهِ الأفْعالُ، لَكِنَّ المَكانَ مُنْحَصِرٌ في سَبْعَةِ أقالِيمَ، والزَّمانَ في سَبْعَةِ أيّامٍ؛ ولِأنَّ الكَواكِبَ السَّيّارَةَ سَبْعَةٌ، وكانَ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلَيْها أُمُورًا، فَصارَتِ السَّبْعَةُ كالعَدَدِ الحاصِرِ لِلْكَثْراتِ الواقِعَةِ في العادَةِ، فاسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ كَثِيرٍ.

الثّانِي: هو أنَّ الآحادَ إلى العَشَرَةِ وهي العِقْدُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ يَبْتَدِئُ مِنَ الآحادِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُقالُ أحَدَ عَشَرَ، واثْنا عَشَرَ، ثُمَّ المِئاتُ مِنَ العَشَراتِ، والأُلُوفُ مِنَ المِئاتِ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: أقَلُّ ما يَلْتَئِمُ مِنهُ أكْثَرُ المَعْدُوداتِ هو الثَّلاثَةُ، لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى طَرَفَيْنِ: مَبْدَأٌ ومُنْتَهًى ووَسَطٌ، ولِهَذا يُقالُ: أقَلُّ ما يَكُونُ الِاسْمُ والفِعْلُ مِنهُ هو ثَلاثَةَ أحْرُفٍ، فَإذا كانَتِ الثَّلاثَةُ هو القِسْمَ الأوَّلَ مِنَ العَشَرَةِ الَّتِي هو العَدَدُ الأصْلِيُّ تَبْقى السَّبْعَةُ القِسْمَ الأكْثَرَ، فَإذا أُرِيدَ بَيانُ الكَثْرَةِ ذُكِرَتِ السَّبْعَةُ، ولِهَذا فَإنَّ المَعْدُوداتِ في العِباداتِ مِنَ التَّسْبِيحاتِ في الِانْتِقالاتِ في الصَّلَواتِ ثَلاثَةٌ، والمِرارُ في الوُضُوءِ ثَلاثَةٌ تَيْسِيرًا لِلْأمْرِ عَلى المُكَلَّفِ اكْتِفاءً بِالقِسْمِ الأوَّلِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: “