< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لِلْمُفاجَأةِ يَعْنِي يَكُونُ ذَلِكَ بِكُنْ فَيَكُونُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هاهُنا إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ، وقالَ في خَلْقِ الإنْسانِ أوَّلًا: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ فَنَقُولُ هُناكَ يَكُونُ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ وتَدْرِيجٌ وتَراخٍ حَتّى يَصِيرَ التُّرابُ قابِلًا لِلْحَياةِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ رُوحَهُ، فَإذا هو بَشَرٌ، وأمّا في الإعادَةِ لا يَكُونُ تَدْرِيجٌ وتَراخٍ بَلْ يَكُونُ نِداءٌ وخُرُوجٌ، فَلَمْ يَقُلْ هاهُنا ثُمَّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

لَمّا ذَكَرَ الآياتِ وكانَ مَدْلُولُها القُدْرَةَ عَلى الحَشْرِ الَّتِي هي الأصْلُ الآخَرُ، والوَحْدانِيَّةُ الَّتِي هي الأصْلُ الأوَّلِ، أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ وكُلَّ مَن في الأرْضِ لَهُ ومِلْكُهُ، فَكُلٌّ لَهُ مُنْقادُونَ قانِتُونَ، والشَّرِيكُ يَكُونُ مُنازِعًا مُماثِلًا، فَلا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا، ثُمَّ ذَكَرَ المَدْلُولَ الآخَرَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ في نَظَرِكُمُ الإعادَةُ أهْوَنُ مِنَ الإبْداءِ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا أوَّلًا يَصْعُبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلَهُ يَكُونُ أهْوَنَ، وقِيلَ المُرادُ هو هَيِّنٌ عَلَيْهِ كَما قِيلَ في قَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ أكْبَرُ أيْ كَبِيرٌ، وقِيلَ المُرادُ هو أهْوَنُ عَلَيْهِ أيِ الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى الخالِقِ مِن الِابْتِداءِ؛ لِأنَّ في البَدْءِ يَكُونُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْمًا ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ يُخْلَقُ بَشَرًا ثُمَّ يَخْرُجُ طِفْلًا يَتَرَعْرَعُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وأمّا في الإعادَةِ فَيَخْرُجُ

صفحة ١٠٣

بَشَرًا سَوِيًّا بِكُنْ فَيَكُونُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أصَحُّ وعَلَيْهِ نَتَكَلَّمُ فَنَقُولُ: هو أهْوَنُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في البَدْءِ خَلْقَ الأجْزاءِ وتَأْلِيفَها، والإعادَةُ تَأْلِيفٌ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ الواحِدَ أهْوَنُ مِن أمْرَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فِيهِ صُعُوبَةٌ، ولِنُبَيِّنَ هَذا فَنَقُولُ: الهَيِّنُ هو ما لا يَتْعَبُ فِيهِ الفاعِلُ، والأهْوَنُ ما لا يَتْعَبُ فِيهِ الفاعِلُ بِالطَّرِيقِ الأُولى، فَإذا قالَ قائِلٌ إنَّ الرَّجُلَ القَوِيَّ لا يَتْعَبُ مِن نَقْلِ شَعِيرَةٍ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، وسَلَّمَ السّامِعُ لَهُ ذَلِكَ، فَإذا قالَ فَكَوْنُهُ لا يَتْعَبُ مِن نَقْلِ خَرْدَلَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ كَلامًا مَعْقُولًا مُبْقِي عَلى حَقِيقَتِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ قَوْلُنا هو أهْوَنُ عَلَيْهِ يُفْهَمُ مِنهُ أمْرانِ. أحَدُهُما: هو ما يَكُونُ في الآخَرِ تَعَبٌ كَما يُقالُ إنَّ نَقْلَ الخَفِيفِ أهْوَنُ مِن نَقْلِ الثَّقِيلِ.

والآخَرُ: هو ما ذَكَرْنا مِنَ الأوْلَوِيَّةِ مِن غَيْرِ لُزُومِ تَعَبٍ في الآخَرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ أهْوَنَ بِالمَعْنى الثّانِي لا يُفْهَمُ مِنهُ الأوَّلُ، وهاهُنا فائِدَةٌ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾[مريم: ٩] وقالَ هاهُنا: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ هُناكَ كَلِمَةَ عَلَيَّ وأخَّرَها هُنا، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي قالَ هُناكَ إنَّهُ هَيِّنٌ هو خَلْقُ الوَلَدِ مِنَ العَجُوزِ، وأنَّهُ صَعْبٌ عَلى غَيْرِهِ ولَيْسَ بِهَيِّنٍ إلّا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾[مريم: ٩] يَعْنِي لا عَلى غَيْرِي، وأمّا هاهُنا المَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ أهْوَنُ هو الإعادَةُ، والإعادَةُ عَلى كُلِّ مُبْدِئٍ أهْوَنُ، فَقالَ: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، فالتَّقْدِيمُ هُناكَ كانَ لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وهو قَوْلُنا أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم لَهُ