< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah030
Ar-Room (30)
The Romans, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مُقَعَّرَ الفَلَكِ لا يُخالِفُ مُحَدَّبَهُ في الطَّبْعِ، فَيَجُوزُ حُصُولُ مُقَعَّرِهِ في مَوْضِعِ مُحَدَّبِهِ، وذَلِكَ بِالخُرُوجِ والزَّوالِ، فَإذَنِ الزَّوالُ عَنِ المَكانِ مُمْكِنٌ لا سِيَّما عَلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإنَّها مُحَدَّدَةُ الجِهاتِ عَلى مَذْهَبِكم أيْضًا، والأرْضُ كانَتْ تَجُوزُ عَلَيْها الحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ، كَما تَقُولُونَ عَلى السَّماءِ، فَعَدَمُها وسُكُونُها لَيْسَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ اللَّهُ مِن كُلِّ بابٍ أمْرَيْنِ، أمّا مِنَ الأنْفُسِ فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ الزَّوْجَيْنِ ومِنَ الآفاقِ السَّماءُ والأرْضُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ومِن لَوازِمَ الإنْسانِ اخْتِلافُ اللِّسانِ واخْتِلافُ الألْوانِ، ومِن عَوارِضِهِ المَنامُ والِابْتِغاءُ، ومِن عَوارِضِ الآفاقِ البُرُوقُ والأمْطارُ ومِن لَوازِمِها قِيامُ السَّماءِ وقِيامُ الأرْضِ؛ لِأنَّ الواحِدَ يَكْفِي لِإقْرارٍ بِالحَقِّ والثّانِي: يُفِيدُ الظَّنَّ، وقَوْلُ الآخَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَهُ؛ ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[البقرة: ٢٦٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِقَوْلِهِ: (قَوْمًا) أوْ بِإرادَتِهِ قِيامَهُما، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُوافِقٌ لِلْإرادَةِ، وعِنْدَنا لَيْسَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ النِّزاعَ في الأمْرِ الَّذِي لِلتَّكْلِيفِ لا في الأمْرِ الَّذِي لِلتَّكْوِينِ، فَإنّا لا نُنازِعُهم في أنَّ قَوْلَهُ: (كُنْ) وكُونُوا ﴿يانارُ كُونِي﴾[الأنْبِياءِ: ٦٩] مُوافِقٌ لِلْإرادَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ﴾ وقالَ قَبْلَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ﴾ ولَمْ يَقُلْ أنْ يُرِيَكم، وإنْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ أنْ مُضْمَرَةٌ هُناكَ مَعْناهُ مِن آياتِهِ (أنْ يُرِيَكم) لِيَصِيرَ كالمَصْدَرِ بِأنْ، وذَلِكَ لِأنَّ القِيامَ لَمّا كانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أخْرَجَ الفِعْلَ بِأنَّ عَنِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، وجَعَلَهُ مَصْدَرًا؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، وفي البَرْقِ لَمّا كانَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ شَيْئًا مِنَ الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ سِتَّةَ دَلائِلَ، وذَكَرَ في أرْبَعَةٍ مِنها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ، ولَمْ يَذْكُرْ في الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ ولا في الآخَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ﴾ أمّا في الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْضًا دَلِيلُ الأنْفُسِ، فَخَلْقُ الأنْفُسِ وخَلْقُ الأزْواجِ مِن بابٍ واحِدٍ،
صفحة ١٠٢
عَلى ما بَيَّنّا، غَيْرَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ أمْرَيْنِ لِلتَّقْرِيرِ بِالتَّكْرِيرِ، فَإذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ كانَ عائِدًا إلَيْهِما، وأمّا في قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ فَنَقُولُ في الآياتِ السَّماوِيَّةِ ذَكَرَ أنَّها آياتٌ لِلْعالِمِينَ، ولِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لِظُهُورِها، فَلَمّا كانَ في أوَّلِ الأمْرِ ظاهِرًا فَفي آخِرِ الأمْرِ بَعْدَ سَرْدِ الدَّلائِلِ يَكُونُ أظْهَرَ، فَلَمْ يُمَيِّزْ أحَدًا عَنْ أحَدٍ في ذَلِكَ، وذَكَرَ ما هو مَدْلُولُهُ وهو قُدْرَتُهُ عَلى الإعادَةِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ وفِيها مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ العَطْفِ بِثُمَّ، وبِمَ تَعَلُّقُ ثُمَّ ؟ فَنَقُولُ مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ إنَّهُ تَعالى إذا بَيَّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِهِ بِهَذِهِ الآياتِ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْبِرُكم، ويُعْلِمُكم أنَّهُ إذا قالَ لِلْعِظامِ الرَّمِيمَةِ اخْرُجُوا مِنَ الأجْداثِ يَخْرُجُونَ أحْياءً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُ القائِلِ دَعا فُلانٌ فُلانًا مِنَ الجَبَلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ مِنَ الجَبَلِ، كَما يَقُولُ القائِلُ يا فُلانُ اصْعَدْ إلى الجَبَلِ، فَيُقالُ دَعاهُ مِنَ الجَبَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ يُدْعى مِنَ الجَبَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ يا فُلانُ انْزِلْ مِنَ الجَبَلِ، فَيُقالُ دَعاهُ مِنَ الجَبَلِ، ولا يَخْفى عَلى العاقِلِ أنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ مِنَ الأرْضِ إذا كانَ الدّاعِي هو اللَّهُ، فالمَدْعُوُّ يُدْعى مِنَ الأرْضِ يَعْنِي أنْتُمْ تَكُونُونَ في الأرْضِ فَيَدْعُوكم مِنها فَتَخْرُجُونَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أنْتُمْ﴾