< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


في جَوابِها، وهي عاقِلَةٌ لَبِيبَةٌ، وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، ثُمَّ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهم: وأُوتِينا نَحْنُ العِلْمَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ قَبْلَ عِلْمِها، ويَكُونُ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى في أنْ خَصَّهم بِمَزِيَّةِ التَّقَدُّمِ في الإسْلامِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ مَوْصُولًا بِقَوْلِها: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ والمَعْنى: وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ وبِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ قَبْلَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ أوْ قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يَكُونُ مِن كَلامِ رَبِّ العِزَّةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ: وصَدَّها عِبادَتُها لِغَيْرِ اللَّهِ عَنِ الإيمانِ.

الثّانِي: وصَدَّها اللَّهُ أوْ سُلَيْمانُ عَمّا كانَتْ تَعْبُدُ، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، وقُرِئَ (أنَّها) بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فاعِلِ صَدَّ وبِمَعْنى لِأنَّها، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيها لَمْ يَكُنِ الصّادُّ لَها كُفْرَها المُتَقَدِّمَ ولا كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ، بَلْ كانَ يَكُونُ الصّادُّ لَها عَنِ الإيمانِ تَجَدُّدَ خَلْقِ اللَّهِ الكُفْرَ فِيها.

والجَوابُ: أمّا عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي فَلا شَكَّ في سُقُوطِ الِاسْتِدْلالِ.

وأمّا عَلى الأوَّلِ فَجَوابُنا: أنَّ كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَبْقى ظاهِرُ الآيَةِ مُوافِقًا لِقَوْلِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى إقامَتَها عَلى الكُفْرِ مَعَ كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ ذَكَرَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أظْهَرَ مِنَ الأمْرِ ما صارَ داعِيًا لَها إلى الإسْلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ والصَّرْحُ القَصْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾[غافر: ٣٦] وقِيلَ: صَحْنُ الدّارِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ (سَأْقَيْها) بِالهَمْزِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَمِعَ سُؤْقًا، فَأجْرى عَلَيْهِ الواحِدَ، والمُمَرَّدُ المُمَلَّسُ، رُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ قَبْلَ قُدُومِها، فَبُنِيَ لَهُ عَلى طَرِيقِها قَصْرٌ مِن زُجاجٍ أبْيَضَ كالماءِ بَياضًا، ثُمَّ أرْسَلَ الماءَ تَحْتَهُ وألْقى فِيهِ السَّمَكَ وغَيْرَهُ، ووَضَعَ سَرِيرَهُ في صَدْرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وعَكَفَ عَلَيْهِ الإنْسُ والجِنُّ والطَّيْرُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَزِيدَها اسْتِعْظامًا لِأمْرِهِ وتَحَقُّقًا لِنُبُوَّتِهِ، وزَعَمُوا أنَّ الجِنَّ كَرِهُوا أنْ يَتَزَوَّجَها فَتُفْضِي إلَيْهِ بِأسْرارِهِمْ؛ لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ جِنِّيَّةٍ، وقِيلَ: خافُوا أنْ يُولَدَ لَهُ مِنها ولَدٌ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ فِطْنَةُ الجِنِّ والإنْسِ، فَيَخْرُجُونَ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ إلى مُلْكٍ هو أشَدُّ، فَقالُوا: إنَّ في عَقْلِها نُقْصانًا، وإنَّها شَعْراءُ السّاقَيْنِ، ورِجْلُها كَحافِرِ حِمارٍ، فاخْتَبَرَ سُلَيْمانُ عَقْلَها بِتَنْكِيرِ العَرْشِ، واتَّخَذَ الصَّرْحَ لِيَتَعَرَّفَ ساقَها، ومَعْلُومٌ مِن حالِ الزُّجاجِ الصّافِي أنَّهُ يَكُونُ كالماءِ، فَلَمّا أبْصَرَتْ ذَلِكَ ظَنَّتْهُ ماءًا راكِدًا فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لِتَخُوضَهُ، فَإذا هي أحْسَنُ النّاسِ ساقًا وقَدَمًا، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ مَن يَقُولُ تَزَوَّجَها، وقالَ آخَرُونَ: كانَ المَقْصُودُ مِنَ الصَّرْحِ تَهْوِيلَ المَجْلِسِ وتَعْظِيمَهُ، وحَصَلَ كَشْفُ السّاقِ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِ، فَلَمّا قِيلَ لَها: هو صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ اسْتَتَرَتْ، وعَجِبَتْ مِن ذَلِكَ واسْتَدَلَّتْ بِهِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَقالَتْ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ فِيما تَقَدَّمَ بِالثَّباتِ عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ قالَتْ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾وقِيلَ: حَسِبَتْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُغْرِقُها في اللُّجَّةِ، فَقالَتْ: ظَلَمْتُ نَفْسِي بِسُوءِ ظَنِّي بِسُلَيْمانَ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ تَزَوَّجَها أمْ لا، وأنَّهُ تَزَوَّجَها في هَذِهِ الحالِ أوْ قَبْلَ أنْ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ؟ والأظْهَرُ في كَلامِ النّاسِ أنَّهُ تَزَوَّجَها، ولَيْسَ لِذَلِكَ ذِكْرٌ في الكِتابِ،