< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


.

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَناءَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعاءَهُ ومَسْألَتَهُ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ المُهِمّاتِ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والِانْجِذابُ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْمَلائِكَةِ أتَمَّ، فَكانَتْ أقْوى عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكُلَّما كانَ اشْتِغالُها بِلَذّاتِ هَذا العالَمِ واسْتِغْراقُها في ظُلُماتِ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ كانَتْ مُشاكَلَتُها لِلْبَهائِمِ أشَدَّ فَكانَتْ أكْثَرَ عَجْزًا وضَعْفًا وأقَلَّ تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ، فَمَن أرادَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعاءِ يَجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ حَتّى أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ويَصِيرُ قَرِيبَ المُشاكَلَةِ مِنَ المَلائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ سَماوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ فَهَذا هو الكَشْفُ عَنْ ماهِيَّةِ الدُّعاءِ وظَهَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الواجِباتِ وظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الثَّناءِ، لا سِيَّما ويُرْوى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّناءَ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعاءَ لِأنَّ الشّارِعَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَعْلِيمِ الشَّرْعِ، فَأمّا حِينَ ما خَلا بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كانَ يَقْتَصِرُ عَلى قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.

* * *

البَحْثُ الثّانِي: في الأُمُورِ الَّتِي طَلَبَها في الدُّعاءِ وهي مَطالِيبُ:

المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ولَقَدْ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾[البقرة: ١٣٠] وفِيهِ مَطالِبُ:

أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّ

صفحة ١٢٨

النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي»“ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في