< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah024
An-Noor (24)
The Light, madinah, 64 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَتَزَوَّجَها ؟ فَأجازَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشَبَّهَهُ بِمَن سَرَقَ ثَمَرَ شَجَرَةٍ ثُمَّ اشْتَراهُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ”أوَّلُهُ سِفاحٌ وآخِرُهُ نِكاحٌ“ والحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» . الوجه الرّابِعُ: أنْ يُحْمَلَ النِّكاحُ عَلى الوَطْءِ والمَعْنى أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ حِينَ يَزْنِي إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وكَذا الزّانِيَةُ ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ وحُرِّمَ الزِّنا عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى هَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ الزَّجّاجُ: هَذا التَّأْوِيلُ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ما ورَدَ النِّكاحُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِمَعْنى التَّزْوِيجِ، ولَمْ يَرِدِ البَتَّةَ بِمَعْنى الوَطْءِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ، لِأنّا لَوْ قُلْنا المُرادُ أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ إلّا الزّانِيَةَ فالإشْكالُ عائِدٌ، لِأنّا نَرى أنَّ الزّانِيَ قَدْ يَطَأُ العَفِيفَةَ حِينَ يَتَزَوَّجُ بِها ولَوْ قُلْنا المُرادُ أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ إلّا الزّانِيَةَ حِينَ يَكُونُ وطْؤُهُ زِنًا فَهَذا الكَلامُ لا فائِدَةَ فِيهِ، وهَذا آخِرُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ﴾ ؟ والجَوابُ: الكَلامُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزّانِيَ لا يَرْغَبُ إلّا في نِكاحِ الزّانِيَةِ وهَذا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَرْغَبَ في نِكاحِ الزّانِيَةِ غَيْرُ الزّانِي فَلا جَرَمَ بَيْنَ ذَلِكَ بِالكَلامِ الثّانِي.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قُدِّمَتِ الزّانِيَةُ عَلى الزّانِي في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهاهُنا بِالعَكْسِ. الجَوابُ: سَبَقَتْ تِلْكَ الآيَةُ لِعُقُوبَتِها عَلى جِنايَتِها، والمَرْأةُ هي المادَّةُ في الزِّنا، وأمّا الثّانِيَةُ فَمَسُوقَةٌ لِذِكْرِ النِّكاحِ، والرَّجُلُ أصْلٌ فِيهِ لِأنَّهُ هو الرّاغِبُ والطّالِبُ.
الحُكْمُ الثّالِثُ: القَذْفُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ رَمَوُا المُحْصَناتِ، وذِكْرُ الرَّمْيِ لا يَدُلُّ عَلى الزِّنا، إذْ قَدْ يَرْمِيها بِسَرِقَةٍ وشُرْبِ خَمْرٍ وكُفْرٍ، بَلْ لا بُدَّ مِن قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلى التَّعْيِينِ، وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُرادَ الرَّمْيُ بِالزِّنا وفي الآيَةِ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ: أحَدُها: تَقَدُّمُ ذِكْرِ الزِّنا. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحْصَناتِ وهُنَّ العَفائِفُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ رَمْيُهُنَّ بِضِدِّ العَفافِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي عَلى صِحَّةِ ما رَمَوْهُنَّ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا العَدَدَ مِنَ الشُّهُودِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ إلّا في الزِّنا. ورابِعُها: انْعِقادُ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الجَلْدُ بِالرَّمْيِ بِغَيْرِ الزِّنا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّمْيُ بِالزِّنا، إذا عَرَفْتَ هَذا فالكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّمْيِ والرّامِي والمَرْمِيِّ.
* * *
البَحْثُ الأوَّلُ: في الرَّمْيِ وفِيهِ مَسائِلُ:المسألة الأُولى: ألْفاظُ القَذْفِ تَنْقَسِمُ إلى صَرِيحٍ وكِنايَةٍ وتَعْرِيضٍ، فالصَّرِيحُ أنْ يَقُولَ يا زانِيَةُ أوْ زَنَيْتِ أوْ زَنى قُبُلُكِ أوْ دُبُرُكِ، ولَوْ قالَ زَنى بَدَنُكِ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُها: أنَّهُ كِنايَةٌ كَقَوْلِهِ: زَنى يَدُكِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الزِّنا مِنَ الفَرْجِ فَلا يَكُونُ مِن سائِرِ البَدَنِ إلّا المَعُونَةُ.
والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّهُ صَرِيحٌ، لِأنَّ الفِعْلَ إنَّما يَصْدُرُ مِن جُمْلَةِ البَدَنِ. والفَرْجُ آلَةٌ في الفِعْلِ. أمّا الكِناياتُ فَمِثْلُ أنْ يَقُولَ يا فاسِقَةُ، يا فاجِرَةُ، يا خَبِيثَةُ، يا مُؤاجَرَةُ، يا ابْنَةَ الحَرامِ، أوِ امْرَأتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، وبِالعَكْسِ فَهَذا لا يَكُونُ قَذْفًا إلّا أنْ يُرِيدَهُ، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ لِعَرَبِيٍّ يا نَبَطِيُّ، فَهَذا لا يَكُونُ قَذْفًا إلّا أنْ يُرِيدَهُ، فَإنْ أرادَ بِهِ القَذْفَ فَهو قَذْفٌ لِأُمِّ المَقُولِ