< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الزِّنا، فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعا نَبِيُّ اللَّهِ ولَيَّها فَقالَ: أحْسِنْ إلَيْها، فَإذا وضَعَتْ فَأْتِنِي بِها فَفَعَلَ، فَأمَرَ بِها نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فُشَدَّتْ عَلَيْها ثِيابُها، ثُمَّ أمَرَ بِها فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلّى عَلَيْها»، ولِأنَّ المَقْصُودَ التَّأْدِيبُ دُونَ الإتْلافِ.

* * *

المسألة السّابِعَةُ: إنْ وجَبَ الجَلْدُ عَلى المَرِيضِ نُظِرَ، فَإنْ كانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجى زَوالُهُ مِن صُداعٍ أوْ ضَعْفٍ أوْ وِلادَةٍ، يُؤَخَّرُ حَتّى يَبْرَأ، كَما لَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ أوْ قَطْعٌ لا يُقامُ عَلَيْهِ حَدٌّ آخَرُ حَتّى يَبْرَأ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ بِهِ مَرَضٌ لا يُرْجى زَوالُهُ كالسُّلِّ والزَّمانَةِ، فَلا يُؤَخَّرُ ولا يُضْرَبُ بِالسِّياطِ، فَإنَّهُ يَمُوتُ ولَيْسَ المَقْصُودُ مَوْتَهُ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ سَواءٌ كانَ زِناهُ في حالِ الصِّحَّةِ ثُمَّ مَرِضَ أوْ في حالِ المَرَضِ، بَلْ يُضْرَبُ بِعِثْكالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقامَ مِائَةِ جَلْدَةٍ. كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾[ص: ٤٤] وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُضْرَبُ بِالسِّياطِ، دَلِيلُنا ما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مُقْعَدًا أصابَ امْرَأةً؛ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأخَذُوا مِائَةَ شِمْراخٍ فَضَرَبُوهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً»، ولِأنَّ الصَّلاةَ إذا كانَتْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالِهِ فالحَدُّ أوْلى بِذَلِكَ.

* * *

المسألة الثّامِنَةُ: يُقامُ الحَدُّ في وقْتِ اعْتِدالِ الهَواءِ، فَإنْ كانَ في حالِ شِدَّةِ حَرٍّ أوْ بَرْدٍ نُظِرَ إنْ كانَ الحَدُّ رَجْمًا يُقامُ عَلَيْهِ كَما يُقامُ في المَرَضِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ قَتْلُهُ، وقِيلَ: إنْ كانَ الرَّجْمُ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِإقْرارِهِ فَيُؤَخَّرُ إلى اعْتِدالِ الهَواءِ وزَوالِ المَرَضِ الَّذِي يُرْجى زَوالُهُ؛ لِأنَّهُ رُبَّما رَجَعَ عَنْ إقْرارِهِ في خِلالِ الرَّجْمِ، وقَدْ أثَّرَ الرَّجْمُ في جِسْمِهِ؛ فَتُعِينُ شِدَّةُ الحَرِّ والبَرْدِ والمَرَضِ عَلى إهْلاكِهِ، بِخِلافِ ما لَوْ ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْقُطُ، وإنْ كانَ الحَدُّ

صفحة ١٢٩

جَلْدًا لَمْ يَجُزْ إقامَتُهُ في شِدَّةِ الحَرِّ والبَرْدِ، كَما لا يُقامُ في المَرَضِ.

* * *

أمّا الرَّجْمُ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ومالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يَحْضُرَ رَجْمَهُ وأنْ لا يَحْضُرَ، وكَذا الشُّهُودُ لا يَلْزَمُهُمُ الحُضُورُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ ثَبَتَ الزِّنا بِالبَيِّنَةِ وجَبَ عَلى الشُّهُودِ أنْ يَبْدَؤُوا بِالرَّجْمِ ثُمَّ الإمامُ ثُمَّ النّاسُ، وإنْ ثَبَتَ بِإقْرارٍ بَدَأ الإمامُ ثُمَّ النّاسُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِرَجْمِ ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ ولَمْ يَحْضُرْ رَجْمَهُما» .

المسألة الثّانِيَةُ: إنْ ثَبَتَ الزِّنا بِإقْرارِهِ فَمَتى رَجَعَ تُرِكَ، وقَعَ بِهِ بَعْضُ الحَدِّ أوْ لَمْ يَقَعْ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ أبِي لَيْلى وداوُدُ لا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، وعَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوايَتانِ.

حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: «أنَّ ماعِزًا لَمّا مَسَّتْهُ الحِجارَةُ وهَرَبَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”هَلّا تَرَكْتُمُوهُ“» .

المسألة الثّالِثَةُ: يُحْفَرُ لِلْمَرْأةِ إلى صَدْرِها حَتّى لا تَنْكَشِفَ وتُرْمى إلَيْها، ولا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ، لِما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ”«أنَّ ماعِزًا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أصَبْتُ فاحِشَةً فَأقِمْ عَلَيَّ الحَدَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِرارًا، ثُمَّ سَألَ قَوْمَهُ، فَقالُوا: لا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا فَأمَرَنا أنْ نَرْجُمَهُ، فانْطَلَقْنا بِهِ إلى بَقِيعِ الغَرْقَدِ فَما أوْثَقْناهُ ولا حَفَرْنا لَهُ، قالَ فَرَمَيْناهُ بِالعِظامِ والمَدَرِ والخَزَفِ، قالَ فاشْتَدَّ واشْتَدَدْنا خَلْفَهُ حَتّى أتى عُرْضَ الحَرَّةِ وانْتَصَبَ لَنا فَرَمَيْناهُ بِجَلامِيدِ الحَرَّةِ حَتّى سَكَنَ»“ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ قالَ: ”فَما أوْثَقْناهُ ولا حَفَرْنا لَهُ“ ولِأنَّهُ هَرَبَ، ولَوْ كانَ في