< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ بَعْضَ الأشْياءِ كالطِّفْلِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ يَزُولُ عَقْلُهُ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ يُذْكَرُ في النَّفْيِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الحالَةُ لا تَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾[ التِّينِ: ٥ - ٦] وهو ضَعِيفٌ. لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ هو دَلالَةٌ عَلى الذَّمِّ، فالمُرادُ بِهِ ما يَجْرِي مَجْرى العُقُوبَةِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾[التين: ٦] فَهَذا تَمامُ الِاسْتِدْلالِ بِحالِ خِلْقَةِ الحَيَوانِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ. الوجه الثّانِي: الِاسْتِدْلالُ بِحالِ خِلْقَةِ النَّباتِ عَلى ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ وهُمُودُها يُبْسُها وخُلُوُّها عَنِ النَّباتِ والخُضْرَةِ: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ والِاهْتِزازُ الحَرَكَةُ عَلى سُرُورٍ فَلا يَكادُ يُقالُ اهْتَزَّ فُلانٌ لِكَيْتٍ وكَيْتٍ إلّا إذا كانَ الأمْرُ مِنَ المَحاسِنِ والمَنافِعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ وانْتَفَخَتْ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ فَهو مَجازٌ لِأنَّ الأرْضَ يَنْبُتُ مِنها واللَّهُ تَعالى هو المُنْبِتُ لِذَلِكَ، لَكِنَّهُ يُضافُ إلَيْها تَوَسُّعًا، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ النَّباتِ مِن زَرْعٍ وغَرْسٍ، والبَهْجَةُ حُسْنُ الشَّيْءِ ونَضارَتُهُ، والبَهِيجُ بِمَعْنى المُبْهِجِ، قالَ المُبَرِّدُ: وهو الشَّيْءُ المُشْرِقُ الجَمِيلُ.

ثُمَّ إنَّهُ

صفحة ١٠

سُبْحانَهُ لَمّا قَرَّرَ هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ رَتَّبَ عَلَيْهِما ما هو المَطْلُوبُ والنَّتِيجَةُ وذَكَرَ أُمُورًا خَمْسَةً:

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والحَقُّ هو المَوْجُودُ الثّابِتُ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحاصِلُها راجِعٌ إلى أنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الأمْراضِ المُتَنافِيَةِ وتَوارُدَها عَلى الأجْسامِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمّا لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنَ الإلَهِ إيجادُ هَذِهِ الأشْياءِ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إعادَةُ الأمْواتِ ؟

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ إيجادُ هَذِهِ الأشْياءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبَ الإنْصافِ لِذاتِهِ بِالقُدْرَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾والمَعْنى أنَّهُ لَمّا أقامَ الدَّلائِلَ عَلى أنَّ الإعادَةَ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى الإعادَةِ في نَفْسِها وإذا ثَبَتَ الإمْكانُ والصّادِقُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِوُقُوعِهِ، واعْلَمْ أنَّ تَحْرِيرَ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى الوجه النَّظَرِيِّ أنْ يُقالَ: الإعادَةُ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ، والصّادِقُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها فَلا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِوُقُوعِها، أمّا بَيانُ الإمْكانِ فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ بَعْدَ تَفَرُّقِها قابِلَةٌ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي كانَتْ قائِمَةً بِها حالَ كَوْنِها حَيَّةً عاقِلَةً، والبارِئُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ المُمْكِنَةِ وذَلِكَ يَقْتَضِي القَطْعَ بِإمْكانِ الإعادَةِ لِما قُلْنا: إنَّ تِلْكَ الأجْسامَ بَعْدَ تَفَرُّقِها قابِلَةٌ لِتِلْكَ الصِّفاتِ؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ قابِلَةً لَها في وقْتٍ لَما كانَتْ قابِلَةً لَها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لِأنَّ الأُمُورَ الذّاتِيَّةَ لا تَزُولُ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ قابِلَةً لَها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لَما كانَتْ حَيَّةً عاقِلَةً في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، لَكِنَّها كانَتْ حَيَّةً عاقِلَةً فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ قابِلَةً أبَدًا لِهَذِهِ الصِّفاتِ. وأمّا أنَّ البارِئَ سُبْحانَهُ يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المُمْكِنِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِكُلِّ