< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


رُؤَساءُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونَهم إلى الكُفْرِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ إبْلِيسَ وجُنُودَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: المَرِيدُ والمارِدُ المُرْتَفِعُ الأمْلَسُ، يُقالُ: صَخْرَةٌ مَرْداءُ أيْ مَلْساءُ، ويَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في غَيْرِ الشَّيْطانِ إذا جاوَزَ حَدَّ مِثْلِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الكِتْبَةَ عَلَيْهِ مَثَلٌ أيْ كَأنَّما كُتِبَ إضْلالُ مَن عَلَيْهِ ورَقَمَ بِهِ لِظُهُورِ ذَلِكَ في حالِهِ.

والثّانِي: كُتِبَ عَلَيْهِ في أُمِّ الكِتابِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الهاءَ بَعْدَ ذِكْرِ مَن يُجادِلُ وبَعْدَ ذِكْرِ الشَّيْطانِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَإنْ رَجَعَ إلى مَن يُجادِلُ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى لَفْظِهِ الَّذِي هو مُوَحَّدٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُتِبَ عَلى مَن يَتَّبِعُ الشَّيْطانَ أنَّهُ مَن تَوَلّى الشَّيْطانَ أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ وهَداهُ إلى النّارِ. وذَلِكَ زَجْرٌ مِنهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: كُتِبَ عَلى مَن هَذا حالُهُ أنَّهُ يَصِيرُ أهْلًا لِهَذا الوَعِيدِ، فَإنْ رَجَعَ إلى الشَّيْطانِ كانَ المَعْنى ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن يَقْبَلُ مِنهُ فَهو في ضَلالٍ. وعَلى هَذا الوجه أيْضًا يَكُونُ زَجْرًا عَنِ اتِّباعِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: إذا قِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قُضِيَ عَلَيْهِ فَلا جائِزَ أنْ يُرَدَّ إلّا إلى مَن يَتَّبِعُ الشَّيْطانَ، لِأنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَقْضِيَ عَلى الشَّيْطانِ أنَّهُ يُضِلُّ، ويَجُوزُ أنْ يَقْضِيَ عَلى مَن يَقْبَلُهُ بِقَوْلِهِ قَدْ أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ وهَداهُ إلى النّارِ. قالَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لَمّا كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ لا وُقُوعُهُ مُحالًا.

المسألة الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجادِلَ في اللَّهِ إنْ كانَ لا يَعْرِفُ الحَقَّ فَهو مَذْمُومٌ مُعاقَبٌ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ المَعارِفَ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً.

المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُجادَلَةَ في اللَّهِ لَيْسَتْ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وبِإرادَتِهِ، وإلّا لَما كانَتْ مُضافَةً إلى اتِّباعِ الشَّيْطانِ، وكانَ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِأنَّ الشَّيْطانَ يُضِلُّهُ بَلْ كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أضَلَّهُ.

صفحة ٧

والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِمَسْألَةِ العِلْمِ وبِمَسْألَةِ الدّاعِي.

المسألة الرّابِعَةُ: قُرِئَ أنَّهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، فَمَن فَتَحَ فَلِأنَّ الأوَّلَ فاعِلُ كُتِبَ والثّانِي عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَن كَسَرَ فَعَلى حِكايَةِ المَكْتُوبِ كَما هو كَأنَّما كُتِبَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ، كَما يَقُولُ: كَتَبْتُ أنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ قِيلَ، أوْ عَلى أنَّ كُتِبَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾

القِراءَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: ”مِنَ البَعَثِ“ بِالتَّحْرِيكِ ونَظِيرُهُ الحَلَبُ والطَّرَدُ في الحَلْبِ وفي الطَّرْدِ، و﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بِجَرِّ التّاءِ والرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِنَصْبِهِما. القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ بِالنُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿لِنُبَيِّنَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ونُقِرُّ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالياءِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ، أمّا القِراءَةُ بِالنُّونِ فَفِيها وُجُوهٌ:

أحَدُها: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ.

وثانِيها: رَوى السِّيرافِيُّ