< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah022
Al-Hajj (22)
The Pilgrimage, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أحَدُها: الطَّبَقَةُ المُشارِكَةُ لَهُ في نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ كالخِلافِ بَيْنَ الجَبْرِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ في خَلْقِ الأفْعالِ البَشَرِيَّةِ، والخِلافِ بَيْنَ مُثْبِتِي الصِّفاتِ والرُّؤْيَةِ ونُفاتِها. وثانِيها: الَّذِينَ يُخالِفُونَهُ في النُّبُوَّةِ ولَكِنْ يُشارِكُونَهُ في الِاعْتِرافِ بِالفاعِلِ المُخْتارِ كالخِلافِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعِيسى ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وثالِثُها: الَّذِينَ يُخالِفُونَهُ في الإلَهِ وهَؤُلاءِ هُمُ السُّوفِسْطائِيَّةُ المُتَوَقِّفُونَ في الحَقائِقِ، والدَّهْرِيَّةُ الَّذِينَ لا يَعْتَرِفُونَ بِوُجُودِ مُؤَثِّرٍ في العالَمِ، والفَلاسِفَةُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ مُؤَثِّرًا مُوجَبًا لا مُخْتارًا. فَإذا كانَتْ الِاخْتِلافاتُ الواقِعَةُ في أُصُولِ الأدْيانِ مَحْصُورَةً في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ لا يُشَكُّ أنَّ أعْظَمَ جِهاتِ الخِلافِ هو مِن جِهَةِ القِسْمِ الأخِيرِ مِنها. وهَذا القِسْمُ الأخِيرُ بِأقْسامِهِ الثَّلاثَةِ لا يُوجَدُونَ في العالَمِ المُتَظاهِرِينَ بِعَقائِدِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ بَلْ يَكُونُونَ مُسْتَتِرِينَ، أمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو الِاخْتِلافُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَتَقْسِيمُهُ أنْ يُقالَ: القائِلُونَ بِالفاعِلِ المُخْتارِ إمّا أنْ يَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِوُجُودِ الأنْبِياءِ، أوْ لا يَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِذَلِكَ، فَإمّا أنْ يَكُونُوا أتْباعًا لِمَن كانَ نَبِيًّا في الحَقِيقَةِ أوْ لِمَن كانَ مُتَنَبِّئًا، أمّا أتْباعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهُمُ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى، وفِرْقَةٌ أُخْرى بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى وهُمُ الصّابِئُونَ، وأمّا أتْباعُ المُتَنَبِّئِ فَهُمُ المَجُوسُ، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلى الإطْلاقِ فَهم عَبْدَةُ الأصْنامِ والأوْثانِ، وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالمُشْرِكِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ البَراهِمَةُ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ. فَثَبَتَ أنَّ الأدْيانَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافاتِ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هي هَذِهِ السِّتَّةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأدْيانُ سِتَّةٌ: واحِدَةٌ لِلَّهِ تَعالى وهو الإسْلامُ، وخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَبَرٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَما تَقُولُ: إنَّ أخاكَ، إنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ لَكَثِيرٌ. قالَ جَرِيرٌ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
المسألة الثّانِيَةُ: الفَصْلُ مُطْلَقٌ فَيُحْتَمَلُ الفَصْلُ بَيْنَهم في الأحْوالِ والأماكِنِ جَمِيعًا فَلا يُجازِيهِمْ جَزاءً واحِدًا بِغَيْرِ تَفاوُتٍ ولا يَجْمَعُهم في مَوْطِنٍ واحِدٍ، وقِيلَ: يَفْصِلُ بَيْنَهم: يَقْضِي بَيْنَهم.أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم وهو عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنهم فَلا يَجْرِي في ذَلِكَ الفَصْلِ ظُلْمٌ ولا حَيْفٌ.
صفحة ١٨
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الرُّؤْيَةُ هاهُنا ؟ الجَوابُ: أنَّها العِلْمُ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، وإنَّما عَرَفَ ذَلِكَ بِخَبَرِ اللَّهِ لا أنَّهُ رَآهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما السُّجُودُ هاهُنا ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: أجْوَدُ الوُجُوهِ في سُجُودِ هَذِهِ الأُمُورِ أنَّها تَسْجُدُ مُطِيعَةً لِلَّهِ تَعالى وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾[فصلت: ١١]، ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[النحل: ٤٠]، ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[البقرة: ٧٤]، ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾[الإسراء: ٤٤]، ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ لَمّا كانَتْ قابِلَةً لِجَمِيعِ الأعْراضِ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى فِيها مِن غَيْرِ امْتِناعٍ البَتَّةَ أشْبَهَتِ الطّاعَةَ والِانْقِيادَ وهو السُّجُودُ، فَإنْ قِيلَ: هَذا التَّأْوِيلُ يُبْطِلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾فَإنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْتُهُ عامٌّ في كُلِّ النّاسِ، فَإسْنادُهُ إلى كَثِيرٍ مِنهم يَكُونُ تَخْصِيصًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، والجَوابُ مِن