< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الضَّلالُ البَعِيدُ﴾، وأرادَ بِهِ عِظَمَ ضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ بِذَلِكَ بُعْدَ ضَلالِهِمْ عَنِ الصَّوابِ لِأنَّ جَمِيعَهُ وإنْ كانَ

صفحة ١٤

يَشْتَرِكُ في أنَّهُ خَطَأٌ فَبَعْضُهُ أبْعَدُ مِنَ الحَقِّ مِنَ البَعْضِ، واسْتُعِيرَ الضَّلالُ البَعِيدُ مِن ضَلالِ مَن أُبْعِدَ مِنَ التِّيهِ ضالًّا وطالَتْ وبَعُدَتْ مَسافَةُ ضَلالِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ رُؤَساؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَفْزَعُونَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَصِحُّ مِنهم أنْ يَضُرُّوا، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الأوْثانَ لا تَضُرُّهم ولا تَنْفَعُهم، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي كَوْنَ المَذْكُورِ فِيها ضارًّا نافِعًا، فَلَوْ كانَ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الأوْثانَ لَزِمَ التَّناقُضُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ الوَثَنُ وأجابُوا عَنِ التَّناقُضِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِأنْفُسِها ولَكِنَّ عِبادَتَها سَبَبُ الضَّرَرِ وذَلِكَ يَكْفِي في إضافَةِ الضَّرَرِ إلَيْها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾[إبراهيم: ٣٦] فَأضافَ الإضْلالَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانُوا سَبَبًا لِلضَّلالِ، فَكَذا هاهُنا نَفى الضَّرَرَ عَنْهم في الآيَةِ الأُولى بِمَعْنى كَوْنِها فاعِلَةً وأضافَ الضَّرَرَ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أنَّ عِبادَتَها سَبَبُ الضَّرَرِ. وثانِيها: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّها في الحَقِيقَةِ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ثم قال في الآيَةِ الثّانِيَةِ: لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَها ضارَّةً نافِعَةً لَكِنَّ ضَرَرَها أكْثَرُ مِن نَفْعِها. وثالِثُها: كانَ الكُفّارُ إذا أنْصَفُوا عَلِمُوا أنَّهُ لا يَحْصُلُ مِنها نَفْعٌ ولا ضَرَرٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهم في الآخِرَةِ يُشاهِدُونَ العَذابَ العَظِيمَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ لَها في الآخِرَةِ: إنَّ ضَرَرَكم أعْظَمُ مِن نَفْعِكم.

المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ: ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ فالمَوْلى: هو الوَلِيُّ والنّاصِرُ، والعَشِيرُ: الصّاحِبُ والمُعاشِرُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَصْفَ بِالرُّؤَساءِ ألْيَقُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ في الأوْثانِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَجْمَعُ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ وإلى طاعَةِ الرُّؤَساءِ، ثُمَّ ذَمَّ الرُّؤَساءَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ والمُرادُ ذَمُّ مَنِ انْتَصَرَ بِهِمْ والتَجَأ إلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ حالَ عِبادَةِ المُنافِقِينَ وحالَ مَعْبُودِهِمْ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ صِفَةَ عِبادَةِ المُؤْمِنِينَ وصِفَةَ مَعْبُودِهِمْ، أمّا عِبادَتُهم فَقَدْ كانَتْ عَلى الطَّرِيقِ الَّذِي لا يُمْكِنُ صَوابُهُ، وأمّا مَعْبُودُهم

صفحة ١٥

فَلا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وأمّا المُؤْمِنُونَ فَعِبادَتُهم حَقِيقِيَّةٌ ومَعْبُودُهم يُعْطِيهِمْ أعْظَمَ المَنافِعِ وهو الجَنَّةُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَمالَ الجَنَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ وأنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ بِهِمْ مِن أنْواعِ الفَضْلِ والإحْسانِ زِيادَةً عَلى أُجُورِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾[النساء: ١٧٣] واحْتَجَّ أصْحابُنا في خَلْقِ الأفْعالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ قالُوا: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرِيدُ الإيمانَ ولَفْظَةُ ما لِلْعُمُومِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْإيمانِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ لا ما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ غَيْرُهُ. والجَوابُ: أنَّ