< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


صفحة ٣

(سُورَةُ الحَجِّ)

سَبْعُونَ وسِتُّ آياتٍ وهي مَكِّيَّةٌ، إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿صِراطِ الحَمِيدِ﴾ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ النّاسَ بِالتَّقْوى، فَدَخَلَ فِيهِ أنْ يَتَّقِيَ كُلَّ مُحَرَّمٍ ويَتَّقِيَ تَرْكَ كُلِّ واجِبٍ وإنَّما دَخَلَ فِيهِ الأمْرانِ لِأنَّ المُتَّقِيَ إنَّما يَتَّقِي ما يَخافُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى فَيَدَعُ لِأجْلِهِ المُحَرَّمَ ويَفْعَلُ لِأجْلِهِ الواجِبَ، ولا يَكادُ يَدْخُلُ فِيهِ النَّوافِلُ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا يَخافُ بِتَرْكِها العَذابَ، وإنَّما يَرْجُو بِفِعْلِها الثَّوابَ فَإذا قالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ فالمُرادُ اتَّقُوا عَذابَ رَبِّكم.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: الزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ حَرَكَةِ الشَّيْءِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ولا تَخْلُو السّاعَةُ مِن أنْ تَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ الفاعِلَةِ لَها كَأنَّها هي الَّتِي تُزَلْزِلُ الأشْياءَ عَلى المَجازِ الحُكْمِيِّ، فَتَكُونُ الزَّلْزَلَةُ مَصْدَرًا مُضافًا إلى فاعِلِهِ أوْ عَلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ فِيها عَلى طَرِيقَةِ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ وإجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾[سبأ: ٣٣] وهي الزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾[الزلزلة: ١] .

المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في وقْتِها فَعَنْ عَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ في الدُّنْيا وهي الَّتِي يَكُونُ مَعَها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها. وقِيلَ: هي الَّتِي تَكُونُ مَعَها السّاعَةُ. ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثِ الصُّورِ: «إنَّهُ قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقَةِ، ونَفْخَةُ القِيامِ لِرَبِّ العالَمِينَ، وإنَّ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُسَيِّرُ اللَّهُ الجِبالَ وتَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، تَتْبَعُها الرّادِفَةُ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، وتَكُونُ الأرْضُ

صفحة ٤

كالسَّفِينَةِ تَضْرِبُها الأمْواجُ أوْ كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ تُرَجْرِجُهُ الرِّياحُ» وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: هَذا في أوَّلِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ، لِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ تَصِحُّ وإنْ كانَتِ الزَّلْزَلَةُ قَبْلَها، وتَكُونُ مِن أماراتِها وأشْراطِها، وتَصِحُّ إذا كانَتْ فِيها ومَعَها، كَقَوْلِنا: آياتُ السّاعَةِ وأماراتُ السّاعَةِ.

المسألة الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ «نَزَلَتا بِاللَّيْلِ والنّاسُ يَسِيرُونَ، فَنادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاجْتَمَعَ النّاسُ حَوْلَهُ فَقَرَأهُما عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُرَ باكِيًا أكْثَرَ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمّا أصْبَحُوا لَمْ يَحُطُّوا السُّرُجَ ولَمْ يَضْرِبُوا الخِيامَ ولَمْ يَطْبُخُوا القُدُورَ، والنّاسُ بَيْنَ باكٍ وجالِسٍ حَزِينٍ مُتَفَكِّرٍ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أتَدْرُونَ أيَّ ذَلِكَ اليَوْمِ هو ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ:“ ذَلِكَ يَوْمُ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ مِن ولَدِكَ، فَيَقُولُ آدَمُ: وما بَعْثُ النّارِ ؟ - يَعْنِي مِن كَمْ كَمْ ؟ - فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ إلى النّارِ وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وتَرى النّاسَ سُكارى ”، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ وبَكَوْا، وقالُوا: فَمَن يَنْجُو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا فَإنَّ مَعَكم خَلِيقَتَيْنِ ما كانا في قَوْمٍ إلّا كَثَّرَتاهُ: يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ”، ثم قال:“ إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ ”فَكَبَّرُوا، ثم

« الصفحة السابقة ص ١ من ٥۹ الصفحة التالية »