< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah021
Al-Anbiyaa (21)
The Prophets, makkah, 112 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أثْبَتُوا الشَّرِيكَ لِلَّهِ تَعالى قالُوا: رَأيْنا في العالَمِ خَيْرًا وشَرًّا ولَذَّةً وألَمًا وحَياةً ومَوْتًا وصِحَّةً وسَقَمًا وغِنًى وفَقْرًا، وفاعِلُ الخَيْرِ خَيِّرٌ وفاعِلٌ الشَّرِّ شِرِّيرٌ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الواحِدُ خَيِّرًا وشِرِّيرًا مَعًا، فَلا بُدَّ مِن فاعِلَيْنِ لِيَكُونَ أحَدُهُما فاعِلًا لِلْخَيْرِ والآخَرُ فاعِلًا لِلشَّرِّ. ويَرْجِعُ حاصِلُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ إلى أنَّ مُدَبِّرَ العالَمِ لَوْ كانَ واحِدًا لَما خَصَّ هَذا بِالحَياةِ والصِّحَّةِ والغِنى، وخَصَّ ذَلِكَ بِالمَوْتِ والألَمِ والفَقْرِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى طَلَبِ اللَّمِّيَّةِ في أفْعالِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ مَدارُ أمْرِ القائِلِينَ بِالشَّرِيكِ عَلى طَلَبِ اللَّمِّيَّةِ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ ما هو النُّكْتَةُ الأصْلِيَّةُ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ القائِلِينَ بِالشَّرِيكِ؛ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الجَيِّدَ في المُناظَرَةِ أنْ يَقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ المُثْبِتِ لِلْمَطْلُوبِ ثُمَّ يَذْكُرَ بَعْدَهُ ما هو الجَوابُ عَنْ شُبْهَةِ الخَصْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَإنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ لَكانَتْ عِلِّيَّةُ تِلْكَ العِلَّةِ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ أُخْرى ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فَلا بُدَّ في قَطْعِ التَّسَلْسُلِ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ غَنِيًّا عَنِ العِلَّةِ وأوْلى الأشْياءِ بِذَلِكَ ذاتُ اللَّهِ تَعالى وصِفاتُهُ، وكَما أنَّ ذاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الِافْتِقارِ إلى المُؤَثِّرِ والعِلَّةِ، وصِفاتَهُ مُبَرَّأةٌ عَنِ الِافْتِقارِ إلى المُبْدِعِ والمُخَصِّصِ فَكَذا فاعِلِيَّتُهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّسَةً عَنِ الِاسْتِنادِ إلى المُوجِبِ والمُؤَثِّرِ. وثانِيها: أنَّ فاعِلِيَّتَهُ لَوْ كانَتْ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ واجِبَةً أوْ مُمْكِنَةً فَإنْ كانَتْ واجِبَةً لَزِمَ مِن وُجُوبِها وُجُوبُ كَوْنِهِ فاعِلًا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُوجِبًا بِالذّاتِ لا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ، وإنْ كانَتْ مُمْكِنَةً كانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى أيْضًا فَتَفْتَقِرُ فاعِلِيَّتُهُ لِتِلْكَ العِلَّةِ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ عِلَّةَ فاعِلِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعالَمِ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ أنْ تَكُونَ فاعِلِيَّتُهُ لِلْعالَمِ قَدِيمَةً فَيَلْزَمُ قَدِمُ العالَمِ، وإنْ كانَتْ مُحْدَثَةً افْتَقَرَ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ. ورابِعُها: أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِن تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ بِدُونِ تِلْكَ الواسِطَةِ أوْ لا يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ. فَإنْ كانَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ كانَ تَوَسُّطُ تِلْكَ الواسِطَةِ عَبَثًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنهُ كانَ عاجِزًا والعَجْزُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، أمّا العَجْزُ عَلَيْنا فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَلِذَلِكَ كانَتْ أفْعالُنا مُعَلَّلَةً بِالأغْراضِ، وكُلُّ ذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وخامِسُها: أنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلُهُ مُعَلَّلًا بِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العِبادِ والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ الغَرَضَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العِبادِ، ولا غَرَضَ لِلْعِبادِ إلّا حُصُولُ اللَّذّاتِ وعَدَمُ حُصُولِ الآلامِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِها ابْتِداءً مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ الوَسائِطِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لِأجْلِ
صفحة ١٣٥
شَيْءٍ. وسادِسُها: هو أنَّهُ لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ وُجُودُ ذَلِكَ الغَرَضِ وعَدَمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى السَّواءِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ عَلى السَّواءِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ غَرَضًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّواءِ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى ناقِصًا بِذاتِهِ كامِلًا بِغَيْرِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَإنْ قُلْتَ: وُجُودُ ذَلِكَ الغَرَضِ وعَدَمُهُ وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ، أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ فالوُجُودُ أوْلى مِنَ العَدَمِ، قُلْنا: تَحْصِيلُ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةِ لِلْعَبْدِ وعَدَمُ تَحْصِيلِها لَهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ أوْ