< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الوُجُودِ لِذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. هَذا خُلْفٌ، فَإذِنْ واجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ وكُلُّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وكُلُّ مُفْتَقِرٍ في وُجُودِهِ إلى الغَيْرِ فَهو مُحْدَثٌ فَكُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ، ويُمْكِنُ جَعْلُ هَذِهِ الدَّلالَةِ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنّا إنَّما دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ مَوْجُودَيْنِ واجِبَيْنِ أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُما واجِبًا وإذا لَمْ يُوجَدِ الواجِبُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المُمْكِناتِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الفَسادُ فَثَبَتَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن وُجُودِ إلَهَيْنِ وُقُوعُ الفَسادِ في كُلِّ العالَمِ. وثانِيها: أنّا لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشارِكًا لِلْآخَرِ في الإلَهِيَّةِ، ولا بُدَّ وأنْ يَتَمَيَّزَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرٍ ما وإلّا لَما حَصَلَ التَّعَدُّدُ، فَما بِهِ المُمايَزَةُ إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةَ كَمالٍ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ صِفَةَ كَمالٍ فالخالِي عَنْهُ يَكُونُ خالِيًا عَنِ الكَمالِ فَيَكُونُ ناقِصًا والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَةَ كَمالٍ فالمَوْصُوفُ بِهِ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِما لا يَكُونُ صِفَةَ كَمالٍ فَيَكُونُ ناقِصًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ما بِهِ المُمايَزَةُ إنْ كانَ مُعْتَبَرًا في تَحَقُّقِ الإلَهِيَّةِ فالخالِي عَنْهُ لا يَكُونُ إلَهًا وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا في الإلَهِيَّةِ لَمْ يَكُنِ الِاتِّصافُ بِهِ واجِبًا فَيَفْتَقِرُ إلى المُخَصَّصِ فالمَوْصُوفُ بِهِ مُفْتَقِرٌ ومُحْتاجٌ. وثالِثُها: أنْ يُقالَ: لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ لَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الغَيْرُ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما، لَكِنَّ الِامْتِيازَ في عُقُولِنا لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّبايُنِ في المَكانِ أوْ في الزَّمانِ أوْ في الوُجُوبِ والإمْكانِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الإلَهِ مُحالٌ فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ الِامْتِيازِ. ورابِعُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في تَدْبِيرِ العالَمِ أوْ لا يَكُونَ فَإنْ كانَ كافِيًا كانَ الثّانِي ضائِعًا غَيْرَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وذَلِكَ نَقْصٌ والنّاقِصُ لا

صفحة ١٣٢

يَكُونُ إلَهًا. وخامِسُها: أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي احْتِياجَ المُحْدَثِ إلى الفاعِلِ ولا امْتِناعَ في كَوْنِ الفاعِلِ الواحِدِ مُدَبِّرًا لِكُلِّ العالَمِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَدَدٌ أوْلى مِن عَدَدٍ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى وُجُودِ أعْدادٍ لا نِهايَةَ لَها وذَلِكَ مُحالٌ فالقَوْلُ بِوُجُودِ الآلِهَةِ مُحالٌ. وسادِسُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَدُلُّ عَلى غَيْرِهِ أوْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ دَلِيلَ الصّانِعِ لَيْسَ إلّا بِالمُحْدَثاتِ ولَيْسَ في حُدُوثِ المُحْدَثاتِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أحَدِهِما دُونَ الثّانِي، والتّالِي مُحالٌ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى كَوْنِهِ عاجِزًا عَنْ تَعْرِيفِ نَفْسِهِ عَلى التَّعْيِينِ، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا. وسابِعُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يَسْتُرَ شَيْئًا مِن أفْعالِهِ عَنِ الآخَرِ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ قَدَرَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المَسْتُورُ عَنْهُ جاهِلًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ لَزِمَ كَوْنُهُ عاجِزًا. وثامِنُها: لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَكانَ مَجْمُوعُ قُدْرَتَيْهِما بَيْنَهُما أقْوى مِن قُدْرَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وحْدَهُ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القُدْرَتَيْنِ مُتَناهِيًا والمَجْمُوعُ ضِعْفُ المُتَناهِي فَيَكُونُ الكُلُّ مُتَناهِيًا. وتاسِعُها: العَدَدُ ناقِصٌ لِاحْتِياجِهِ إلى الواحِدِ، والواحِدُ الَّذِي يُوجَدُ مِن جِنْسِهِ عَدَدٌ ناقِصٌ ناقِصٌ، لِأنَّ العَدَدَ أزْيَدُ مِنهُ، والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا فالإلَهُ واحِدٌ لا مَحالَةَ. وعاشِرُها: أنّا لَوْ فَرَضْنا مَعْدُومًا مُمْكِنَ الوُجُودِ ثُمَّ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ واحِدٌ مِنهُما عَلى إيجادِهِ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ قَدَرَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ فَهَذا الآخَرُ يَكُونُ إلَهًا، وإنْ قَدِرا جَمِيعًا فَإمّا أنْ يُوجِداهُ بِالتَّعاوُنِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُحْتاجًا إلى إعانَةِ الآخَرِ، وإنْ قَدَرَ كُلُّ واحِدٍ عَلى إيجادِهِ