< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لا سِيَّما وقَدْ رُوِيَ قَوْلُهُ:«إنّا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ ما فِيهِ نَفْعٌ وصَلاحٌ في الدِّينِ، وذَلِكَ يَتَناوَلُ النُّبُوَّةَ والعِلْمَ والسِّيرَةَ الحَسَنَةَ والمَنصِبَ النّافِعَ في الدِّينِ والمالَ الصّالِحَ، فَإنَّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ مِمّا يَجُوزُ تَوَفُّرُ الدَّواعِي عَلى بَقائِها لِيَكُونَ ذَلِكَ النَّفْعُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا.

السّابِعُ: اتَّفَقَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ هَهُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ زَوْجَةَ زَكَرِيّاءَ هي أُخْتُ مَرْيَمَ وكانَتْ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ مِن ولَدِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، وأمّا زَكَرِيّاءُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهارُونُ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ وكانَتِ النُّبُوَّةُ في سِبْطِ يَعْقُوبَ؛ لِأنَّهُ هو إسْرائِيلُ ﷺ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لَيْسَ المُرادُ مِن يَعْقُوبَ هَهُنا ولَدَ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ كانَ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم وكانَ زَكَرِيّا رَأْسَ الأحْبارِ يَوْمَئِذٍ فَأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ حُبُورَتَهُ، ويَرِثَ مِن بَنِي ماثانَ مُلْكَهم، واعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الرِّضِيِّ وُجُوهًا.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ واجْعَلْهُ رَضِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّهم مَرْضِيُّونَ فالرَّضِيُّ مِنهم مُفَضَّلٌ عَلى جُمْلَتِهِمْ فائِقٌ لَهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِمْ فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ؛ فَوَهَبَ لَهُ سَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، وهَذا غايَةُ ما يَكُونُ بِهِ المَرْءُ رَضِيًّا.

وثانِيها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ يَكُونَ رَضِيًّا في أُمَّتِهِ لا يُتَلَقّى بِالتَّكْذِيبِ ولا يُواجَهُ بِالرَّدِّ.

وثالِثُها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ لا يَكُونَ مُتَّهَمًا في شَيْءٍ ولا

صفحة ١٥٨

يُوجَدُ فِيهِ مَطْعَنٌ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي.

ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ قالا في الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٨٢) وكانا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُسْلِمَيْنِ، وكَأنَّ المُرادَ هُناكَ ثَبِّتْنا عَلى هَذا أوِ المُرادُ اجْعَلْنا فاضِلَيْنِ مِن أنْبِيائِكَ المُسْلِمِينَ فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ رَضِيًّا بِفِعْلِهِ، فَلَمّا سَألَ اللَّهَ تَعالى جَعْلَهُ رَضِيًّا دَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنْ يَلْطُفَ لَهُ بِضُرُوبِ الألْطافِ فَيَخْتارَ ما يَصِيرُ مَرْضِيًّا فَيُنْسَبَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ جَعْلَهُ رَضِيًّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى جَعْلِ الألْطافِ وعِنْدَها يَصِيرُ المَرْءُ بِاخْتِيارِهِ رَضِيًّا لَكانَ ذَلِكَ مَجازًا وهو خِلافُ الأصْلِ.

والثّانِي: أنَّ جَعْلَ تِلْكَ الألْطافِ واجِبَةً عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ وما كانَ واجِبًا لا يَجُوزُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في مَنِ المُنادِي بِقَوْلِهِ: ﴿يازَكَرِيّا﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى وذَلِكَ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ يُخاطِبُ اللَّهَ تَعالى ويَسْألُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾[ مَرْيَمَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾[ مَرْيَمَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَهَبْ لِي﴾[ مَرْيَمَ: ٥] وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُخاطِبُ اللَّهَ تَعالى وهو يَقُولُ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ إذا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها خِطابًا مَعَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَفَسَدَ النَّظْمُ، ومِنهم مَن قالَ هَذا نِداءُ المَلَكِ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ