< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


في المالِ الَّذِي كانَ لَهُ أوْ في القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ فَقَدْ كانَتِ العادَةُ جارِيَةً أنَّ كُلَّ مَن كانَ إلى صاحِبِ الشَّرْعِ أقْرَبَ؛ فَإنَّهُ كانَ مُتَعَيِّنًا في الحَياةِ.

الثّانِي: اخْتَلَفُوا في خَوْفِهِ مِنَ المَوالِي فَقالَ بَعْضُهم: خافَهم عَلى إفْسادِ الدِّينِ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ خافَ أنْ يَنْتَهِيَ أمْرُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ في مالٍ وغَيْرِهِ، مَعَ أنَّهُ عَرَفَ مِن حالِهِمْ قُصُورَهم في العِلْمِ والقُدْرَةِ عَنِ القِيامِ بِذَلِكَ المَنصِبِ.

وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيٌّ لَهُ أبٌ إلّا واحِدٌ؛ فَخافَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَنِي عَمِّهِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَهُ ولَدًا يَكُونُ هو ذَلِكَ النَّبِيَّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ

صفحة ١٥٦

يَكُونَ خائِفًا مِن أمْرٍ يَهْتَمُّ بِمِثْلِهِ الأنْبِياءُ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ.

ولا يَمْتَنِعُ أنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ إلَيْهِ مَعَ النُّبُوَّةِ السِّياسَةُ مِن جِهَةِ المُلْكِ وما يَتَّصِلُ بِالإمامَةِ فَخافَ مِنهم بَعْدَهُ عَلى أحَدِهِما أوْ عَلَيْهِما.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ﴾ فَهو وإنْ خَرَجَ عَلى لَفْظِ الماضِي لَكِنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ أيْضًا، كَذَلِكَ يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ خِفْتُ أنْ يَكُونَ كَذا وخَشِيتُ أنْ يَكُونَ كَذا أيْ أنا خائِفٌ لا يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ زالَ الخَوْفُ عَنْهُ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ أنَّها عاقِرٌ في الحالِ وذَلِكَ لِأنَّ العاقِرَ لا تُحَوَّلُ ولُودًا في العادَةِ فَفي الإخْبارِ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي إعْلامٌ بِتَقادُمِ العَهْدِ في ذَلِكَ، وغَرَضُ زَكَرِيّاءَ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ اسْتِبْعادِ حُصُولِ الوَلَدِ؛ فَكانَ إيرادُهُ بِلَفْظِ الماضِي أقْوى وإلى هَذا يَرْجِعُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾؛ لِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِهِ الإخْبارَ، وعَنْ تَقادُمِ الخَوْفِ ثُمَّ اسْتَغْنى بِدَلالَةِ الحالِ وما يُوجِبُ مَسْألَةَ الوارِثِ وإظْهارَ الحاجَةِ عَنِ الإخْبارِ بِوُجُودِ الخَوْفِ في الحالِ، وأيْضًا فَقَدْ يُوضَعُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ وبِالعَكْسِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ (المائِدَةِ: ١١٦) واللَّهُ أعْلَمُ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِي﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: قُدّامِي وبَيْنَ يَدَيَّ وقالَ آخَرُونَ أيْ: بَعْدَ مَوْتِي، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ خافَهم مِن بَعْدِهِ ؟ وكَيْفَ عَلِمَ أنَّهم يَبْقَوْنَ بَعْدَهُ فَضْلًا مِن أنْ يَخافَ شَرَّهم ؟ قُلْنا: إنْ ذَلِكَ قَدْ يُعْرَفُ بِالأماراتِ والظَّنِّ وذَلِكَ كافٍ في حُصُولِ الخَوْفِ فَرُبَّما عَرَفَ بِبَعْضِ الإماراتِ اسْتِمْرارَهم عَلى عادَتِهِمْ في الفَسادِ والشَّرِّ.

* * *

واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَلَدَ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ طَلَبَ مَن يَقُومُ مَقامَهُ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٨) .

والثّانِي: قَوْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ .

والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾(الأنْبِياءِ: ٨٩) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَألَ الوَلَدَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ أنَّ لَهُ مَوالِيَ وأنَّهُ غَيْرُ مُنْفَرِدٍ عَنِ الوَرَثَةِ وهَذا وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى وارِثٍ يَصْلُحُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلى الوَلَدِ أظْهَرُ واحْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الثّالِثِ بِأنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ؛ اسْتَعْظَمَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ فَقالَ: أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ؟ ولَوْ كانَ دُعاؤُهُ لِأجْلِ الوَلَدِ لَما