< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah019
Maryam (19)
Mary, makkah, 98 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَمَثُّلُهُ في صُورَةِ جِسْمٍ أصْغَرَ مِنَ الآدَمِيِّ حَتّى الذُّبابُ والبَقُّ والبَعُوضُ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ جَرَّ إلى ذَلِكَ فَهو باطِلٌ.
ورابِعُها: أنَّ تَجْوِيزَهُ يُفْضِي إلى القَدْحِ في خَبَرِ التَّواتُرِ فَلَعَلَّ الشَّخْصَ الَّذِي حارَبَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدًا بَلْ كانَ شَخْصًا آخَرَ تَشَبَّهَ بِهِ وكَذا القَوْلُ في الكُلِّ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ التَّجْوِيزَ لازِمٌ عَلى الكُلِّ لِأنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى الصّانِعِ المُخْتارِ فَقَدْ قَطَعَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ شَخْصًا آخَرَ مِثْلَ زَيْدٍ في خِلْقَتِهِ وتَخْطِيطِهِ وإذا جَوَّزْنا ذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَ الشَّكُّ في أنَّ زَيْدًا المُشاهِدَ الآنَ هو الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ أمْ لا، ومَن أنْكَرَ الصّانِعَ المُخْتارَ وأسْنَدَ الحَوادِثَ إلى اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وتَشَكِيلاتِ الفَلَكِ لَزِمَهُ تَجْوِيزُ أنْ يَحْدُثَ اتِّصالٌ غَرِيبٌ في الأفْلاكِ يَقْتَضِي حُدُوثَ شَخْصٍ مِثْلَ زَيْدٍ في كُلِّ الأُمُورِ وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّجْوِيزُ المَذْكُورُ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ أجْزاءٌ أصْلِيَّةٌ وأجْزاءٌ فاضِلَةٌ، والأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ قَلِيلَةٌ جِدًّا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِصُورَةِ الإنْسانِ، هَذا إذا جَعَلْناهُ جُسْمانِيًّا أمّا إذا جَعَلْناهُ رُوحانِيًّا فَأيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَتَدَرَّعَ تارَةً بِالهَيْكَلِ العَظِيمِ وأُخْرى بِالهَيْكَلِ الصَّغِيرِ.
وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ أصْلَ التَّجْوِيزِ قائِمٌ في العَقْلِ وإنَّما عُرِفَ فَسادُهُ بِدَلائِلِ السَّمْعِ وهو الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الرّابِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾
وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أرادَتْ إنْ كانَ يُرْجى مِنكَ أنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ ويَحْصُلَ ذَلِكَ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ فَإنِّي عائِذَةٌ بِهِ مِنكَ وهَذا في نِهايَةِ الحُسْنِ لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ لا تُؤَثِّرُ
صفحة ١٦٩
الِاسْتِعاذَةُ إلّا في التَّقِيِّ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[البَقَرَةِ: ٢٧٨] أيْ: أنَّ شَرْطَ الإيمانِ يُوجِبُ هَذا لا أنَّ اللَّهَ تَعالى يُخْشى في حالٍ دُونَ حالٍ.وثانِيها: أنَّ مَعْناهُما كُنْتَ تَقِيًّا حَيْثُ اسْتَحْلَلْتَ النَّظَرَ إلَيَّ وخَلَوْتَ بِي.
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ إنْسانٌ فاجِرٌ اسْمُهُ تَقِيٌّ يَتَّبِعُ النِّساءَ فَظَنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ المُشاهَدَ هو ذَلِكَ التَّقِيُّ والأوَّلُ هو الوَجْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا عَلِمَ جِبْرِيلُ خَوْفَها قالَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ لِيَزُولَ عَنْها ذَلِكَ الخَوْفُ، ولَكِنَّ الخَوْفَ لا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ هَذا القَوْلِ بَلْ لا بُدَّ مِن دَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وما كانَ مِنَ النّاسِ، فَهَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ مُعْجِزٌ عَرَفَتْ بِهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُحْتَمَلُ أنَّها مِن جِهَةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَتْ صِفَةَ المَلائِكَةِ فَلَمّا قالَ لَها: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أظْهَرَ لَها مِن باطِنِ جَسَدِهِ ما عَرَفَتْ أنَّهُ مَلَكٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ هو العِلْمَ، وسَألَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في تَفْسِيرِهِ نَفْسَهُ فَقالَ: إذا لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً عِنْدَكم وكانَ مِن قَوْلِكم أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرْسِلْ إلى خَلْقِهِ إلّا رِجالًا فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟ وأجابَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما وقَعَ في زَمانِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ رَسُولًا، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ عالِمًا بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ المُعْجِزَ إذا كانَ مَفْعُولًا لِلنَّبِيِّ فَأقَلُّ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِهِ وزَكَرِيّا ما كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ الوَقائِعِ فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُهُ مُعْجِزًا لَهُ ؟ بَلِ الحَقُّ أنَّ ذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ كَرامَةً لِمَرْيَمَ أوْ إرْهاصًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ لِيَهَبَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ اللّامِ أيْ: لِيَهَبَ اللَّهُ لَكِ والباقُونَ بِهَمْزَةٍ