< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah019
Maryam (19)
Mary, makkah, 98 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَعِنْدَ ذَلِكَ أوْحى إلَيْهِمْ، وقِيلَ: كانَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ هو وغَيْرُهُ إلّا أنَّهم كانُوا لا يَدْخُلُونَهُ لِلصَّلاةِ إلّا بِإذْنِهِ وأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ لِلْإذْنِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وهو لا يَتَكَلَّمُ فَأوْحى إلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ أوْحى إلَيْهِمُ الكَلامَ؛ لِأنَّ الكَلامَ كانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ فَكانَ المُرادُ غَيْرَ الكَلامِ وهو أنْ يُعَرِّفَهم ذَلِكَ إمّا بِالإشارَةِ أوْ بِرَمْزٍ مَخْصُوصٍ أوْ بِكِتابَةٍ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنهُ المُرادُ فَعَلِمُوا أنَّهُ قَدْ كانَ ما بُشِّرَ بِهِ فَكَما حَصَلَ السُّرُورُ لَهُ حَصَلَ لَهم فَظَهَرَ لَهم إكْرامُ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِالإجابَةِ، واعْلَمْ أنَّ الأشْبَهَ بِالآيَةِ هو الإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤١] والرَّمْزُ لا يَكُونُ كِنايَةً لِلْكَلامِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ وهو جائِزٌ في اللُّغَةِ يُقالُ: سُبْحَةُ الضُّحى أيْ: صَلاةُ الضُّحى، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في صَلاةِ الضُّحى: ”إنِّي لَأُسَبِّحُها“ أيْ: لَأُصَلِّيُها إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ البُكْرَةَ صَلاةُ الفَجْرِ، والعَشِيَّ صَلاةُ العَصْرِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما كانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُ في مِحْرابِهِ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ فَكانَ يَخْرُجُ إلَيْهِمْ فَيَأْذَنُ لَهم بِلِسانِهِ، فَلَمّا اعْتُقِلَ لِسانُهُ خَرَجَ إلَيْهِمْ كَعادَتِهِ فَأذِنَ لَهم بِغَيْرِ كَلامٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ١٦٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ”يَحْيى“ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ تِسْعٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ مُخاطَبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ بِيَحْيى المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطِبَهُ بِذَلِكَ فَحَذَفَ ذِكْرَهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِتابُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو التَّوْراةَ الَّتِي هي نِعْمَةُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ (الجاثِيَةِ: ١٦) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا خَصَّ اللَّهُ بِهِ يَحْيى كَما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الكَثِيرَ مِنَ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ هَهُنا عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْلى ولا مَعْهُودَ هَهُنا إلّا التَّوْراةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القُدْرَةَ عَلى الأخْذِ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنًى يُفِيدُ المَدْحَ وهو الجِدُّ والصَّبْرُ عَلى القِيامِ بِأمْرِ النُّبُوَّةِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى حُصُولِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ والإحْجامَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الحُكْمِ أقْوالًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ الحِكْمَةُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
واحْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
وهُوَ الفَهْمُ في التَّوْراةِ والفِقْهُ في الدِّينِ.والثّانِي: وهو قَوْلُ مَعْمَرٍ أنَّهُ العَقْلُ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا.
والثّالِثُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أحْكَمَ عَقْلَهُ في صِباهُ وأوْحى إلَيْهِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - وهُما صَبِيّانِ لا كَما بَعَثَ مُوسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَدْ بَلَغا الأشُدَّ، والأقْرَبُ حَمْلُهُ عَلى النُّبُوَّةِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ صِفاتِ شَرَفِهِ ومَنقَبَتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أشْرَفُ صِفاتِ الإنْسانِ فَذِكْرُها في مَعْرِضِ المَدْحِ أوْلى مِن ذِكْرِ غَيْرِها فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نَبُّوتُهُ مَذْكُورَةً في هَذِهِ الآيَةِ ولا لَفْظَ يَصْلُحُ لِلدَّلالَةِ عَلى النُّبُوَّةِ إلّا هَذِهِ اللَّفْظَةَ