< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


والقَدَرِ، وتَعَلُّقِ أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بِأحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وتُعَلُّقِ أحْوالِ عالَمِ الآخِرَةِ بِعالَمِ الدُّنْيا، وكَيْفِيَّةِ نُزُولِ القَضاءِ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وكَيْفِيَّةِ ارْتِباطِ عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ بِعالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وتَصْيِيرِ النَّفْسِ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها عالَمُ المَلَكُوتِ ويَنْكَشِفُ فِيها قُدْسُ اللّاهُوتِ، فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وأمّا كَوْنُ هَذا الكِتابِ نِعْمَةً عَلَيْنا فَلِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّكالِيفِ والأحْكامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو كِتابٌ كامِلٌ في أقْصى الدَّرَجاتِ فَكُلُّ واحِدٍ يَنْتَفِعُ بِهِ بِمِقْدارِ طاقَتِهِ وفَهْمِهِ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى جَمِيعِ أُمَّتِهِ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّحْمِيدِ فَقالَ:﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ الكِتابَ بِوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾﴿قَيِّمًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الشَّيْءَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كامِلًا في ذاتِهِ ثُمَّ يَكُونَ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ تامًّا في ذاتِهِ ثُمَّ يَكُونَ فَوْقَ التَّمامِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ كَمالَ الغَيْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ لِأنَّ القَيِّمَ عِبارَةٌ عَنِ القائِمِ بِمَصالِحِ الغَيْرِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في صِفَةِ الكِتابِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢) فَقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ في نَفْسِهِ بالِغًا في الصِّحَّةِ وعَدَمِ الإخْلالِ إلى حَيْثُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: ٢] إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سَبَبًا لِهِدايَةِ الخَلْقِ وإكْمالِ حالِهِمْ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ قائِمٌ مُقامَ قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ قائِمٌ مُقامَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهَذِهِ أسْرارٌ لَطِيفَةٌ.

صفحة ٦٤

البَحْثُ الثّانِي: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: العِوَجُ في المَعانِي كالعِوَجِ في الأعْيانِ، والمُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ:

أحَدُها: نَفْيُ التَّناقُضِ عَنْ آياتِهِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النِّساءِ: ٨٢) .

وثانِيها: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ ولا خَلَلَ في شَيْءٍ مِنها البَتَّةَ.

وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ خَرَجَ مِن عالَمِ الغَيْبِ مُتَوَجِّهًا إلى عالَمِ الآخِرَةِ وإلى حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ وهَذِهِ الدُّنْيا كَأنَّها رِباطٌ بُنِيَ عَلى طَرِيقِ عالَمِ القِيامَةِ حَتّى أنَّ المُسافِرَ إذا نَزَلَ فِيهِ اشْتَغَلَ بِالمُهِمّاتِ الَّتِي يَجِبُ رِعايَتُها في هَذا السَّفَرِ ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنهُ مُتَوَجِّهًا إلى عالَمِ الآخِرَةِ فَكُلُّ ما دَعاهُ في الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ ومِنَ الجُسْمانِيّاتِ إلى الرُّوحانِيّاتِ ومِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ومِنَ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الجَسَدانِيَّةِ إلى الِاسْتِنارَةِ بِالأنْوارِ الصَّمَدانِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهُ مُبَرَّأٌ عَنِ العِوَجِ والِانْحِرافِ والباطِلِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ .

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِلْكِتابِ وهي قَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ مُسْتَقِيمًا وهَذا عِنْدِي مُشْكِلٌ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِنَفْيِ الِاعْوِجاجِ إلّا حُصُولُ الِاسْتِقامَةِ فَتَفْسِيرُ القَيِّمِ بِالمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ التَّكْرارَ وأنَّهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ ما ذَكَرْناهُ وأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ أنَّهُ سَبَبٌ لِهِدايَةِ الخَلْقِ وأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى مَن يَكُونُ قَيِّمًا لِلْأطْفالِ، فالأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كالأطْفالِ، والقُرْآنُ كالقَيِّمِ الشَّفِيقِ القائِمِ بِمَصالِحِهِمْ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الواحِدِيُّ: جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا هَذا مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا الكَلامِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا