< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah017
Al-Israa (17)
The Night Journey, makkah, 111 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حَيْثُ قالَ:﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾[الأنفال: ٣٢] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ وضُرِبَتْ رَقَبَتُهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَقُولُ: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ. وآخَرُونَ يَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْجَهْلِ واعْتِقادِ أنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ فِيما يَقُولُ.
والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّهُ في وقْتِ الضَّجَرِ يَلْعَنُ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ووَلَدَهُ ومالَهُ، ولَوِ اسْتُجِيبَ لَهُ في الشَّرِّ كَما يُسْتَجابُ لَهُ في الخَيْرِ لَهَلَكَ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ إلى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ أسِيرًا فَأقْبَلَ يَئِنُّ بِاللَّيْلِ فَقالَتْ لَهُ: ما لَكَ تَئِنُّ ؟ فَشَكى ألَمَ القَيْدِ فَأرْخَتْ لَهُ مِن كِتافِهِ، فَلَمّا نامَتْ أخْرَجَ يَدَهُ وهَرَبَ، فَلَمّا أصْبَحَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا بِهِ فَأُعْلِمَ بِشَأْنِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ اقْطَعْ يَدَها“ فَرَفَعَتْ سَوْدَةُ يَدَها تَتَوَقَّعُ أنْ يَقْطَعَ اللَّهُ يَدَها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنِّي سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ دُعائِي عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ عَذابًا مِن أهْلِي رَحْمَةً لِأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ كَما تَغْضَبُونَ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَها“» .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُبالِغُ في الدُّعاءِ طَلَبًا لِشَيْءٍ يَعْتَقِدُ أنَّ خَيْرَهُ فِيهِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَكُونُ مَنبَعَ شَرِّهِ وضَرَرِهِ، وهو يُبالِغُ في طَلَبِهِ لِجَهْلِهِ بِحالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وإنَّما يُقْدِمُ عَلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ لِكَوْنِهِ عَجُولًا مُغْتَرًّا بِظَواهِرِ الأُمُورِ غَيْرَ مُتَفَحِّصٍ عَنْ حَقائِقِها وأسْرارِها.
البَحْثُ الرّابِعُ: القِياسُ: إثْباتُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُ﴾ إلّا أنَّهُ حُذِفَ في المُصْحَفِ مِنَ الكِتابَةِ، لِأنَّهُ لا يَظْهَرُ في اللَّفْظِ، أمّا لَمْ تُحْذَفْ في المَعْنى لِأنَّها في مَوْضِعِ الرَّفْعِ، ونَظِيرُهُ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾[العلق: ١٨]﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ﴾[النساء: ١٤٦]﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾[ق: ٤١]﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾[القمر: ٥] ولَوْ كانَ بِالواوِ والياءِ لَكانَ صَوابًا هَذا كَلامُ الفَرّاءِ. وأقُولُ: إنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ عَصَمَ هَذا القُرْآنَ المَجِيدَ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ فَإنَّ إثْباتَ الياءِ والواوِ في أكْثَرِ ألْفاظِ القُرْآنِ وعَدَمَ إثْباتِهِما في هَذِهِ المَواضِعِ المَعْدُودَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ نُقِلَ كَما سُمِعَ، وأنَّ أحَدًا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ بِمِقْدارِ فَهْمِهِ وقُوَّةِ عَقْلِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ وفي هَذا الإنْسانِ قَوْلانِ:القَوْلُ الأوَّلُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا انْتَهَتِ الرُّوحُ إلى سُرَّتِهِ نَظَرَ إلى جَسَدِهِ فَأعْجَبَهُ فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الجِنْسِ، لِأنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ لا يَعْرى عَنْ عَجَلَةٍ، ولَوْ تَرَكَها لَكانَ تَرْكُها أصْلَحَ لَهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، وأقُولُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو القَوْلَ الأوَّلَ، كانَ المَقْصُودُ عائِدًا إلى
صفحة ١٣١
القَوْلِ الثّانِي، لِأنّا إذا حَمَلْنا الإنْسانَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ المَعْنى أنَّ آدَمَ الَّذِي كانَ أصْلَ البَشَرِ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ العَجَلَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صِفَةً لازِمَةً لِلْكُلِّ، فَكانَ المَقْصُودُ عائِدًا إلى القَوْلِ الثّانِي، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما أوْصَلَ إلى الخَلْقِ مِن نِعَمِ الدِّينِ وهو القُرْآنُ أتْبَعَهُ بِبَيانِ ما أوْصَلَ إلَيْهِمْ مِن نِعَمِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾وكَما أنَّ القُرْآنَ مُمْتَزِجٌ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَكَذَلِكَ الدَّهْرُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّهارِ