< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah017
Al-Israa (17)
The Night Journey, makkah, 111 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أنْ يَكُونَ أحَدَ أشْياءَ ثَلاثَةٍ: إمّا اسْمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ هو قَوْلُهُ: ثُمَّ رَدَدْنا وأمْدَدْنا، وكُلُّ ذَلِكَ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الواحِدُ هو البَعْثَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:﴿بَعَثْنا﴾ والفِعْلُ المُتَقَدِّمُ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾[آل عمران: ١٨٠] وقالَ الزَّجّاجُ: لِيَسُوءَ الوَعْدُ وُجُوهَكم، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالنُّونِ وهَذا عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: بَعَثْنا عَلَيْكم وأمْدَدْنا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ يُقالُ: تَبِرَ الشَّيْءُ تَبْرًا إذا هَلَكَ وتَبَّرَهُ أهْلَكَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ مُكَسَّرًا ومُفَتَّتًا فَقَدْ تَبَّرْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ: تِبْرُ الزُّجاجِ وتِبْرُ الذَّهَبِ لِمُكَسَّرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:صفحة ١٢٨
﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الأعراف: ١٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾[نوح: ٢٨] . وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلَوْا﴾ يَحْتَمِلُ ما غَلَبُوا عَلَيْهِ وظَفِرُوا بِهِ، ويَحْتَمِلُ ويُتَبِّرُوا ما دامُوا غالِبِينَ، أيْ: ما دامَ سُلْطانُهم جارِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتْبِيرًا﴾ ذِكْرٌ لِلْمَصْدَرِ عَلى مَعْنى تَحْقِيقِ الخَبَرِ وإزالَةِ الشَّكِّ في صِدْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾[النساء: ١٦٤] أيْ: حَقًّا، والمَعْنى: ولِيُدَمِّرُوا ويُخَرِّبُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ والمَعْنى: لَعَلَّ رَبَّكم أنْ يَرْحَمَكم ويَعْفُوَ عَنْكم بَعْدَ انْتِقامِهِ مِنكم يا بَنِي إسْرائِيلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ يَعْنِي: أنَ بَعَثْنا عَلَيْكم مَن بَعَثْنا، فَفَعَلُوا بِكم ما فَعَلُوا عُقُوبَةً لَكم وعِظَةً لِتَنْتَفِعُوا بِهِ وتَزْدَجِرُوا بِهِ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي، ثُمَّ رَحِمَكم فَأزالَ هَذا العَذابَ عَنْكم، فَإنْ عُدْتُمْ مَرَّةً أُخْرى إلى المَعْصِيَةِ عُدْنا إلى صَبِّ البَلاءِ عَلَيْكم في الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى.قالَ القَفّالُ: إنَّما حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى عَذابِ الدُّنْيا لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ خَبَرًا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾[الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ أيْ: وإنَّهم قَدْ عادُوا إلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي وهو التَّكْذِيبُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وكِتْمانُ ما ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالتَّعْذِيبِ عَلى أيْدِي العَرَبِ. فَجَرى عَلى بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ وبَنِي قَيْنُقاعَ ويَهُودِ خَيْبَرَ ما جَرى مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ، ثُمَّ الباقُونَ مِنهم مَقْهُورُونَ بِالجِزْيَةِ لا مُلْكَ لَهم ولا سُلْطانَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ والحَصِيرُ فَعِيلٌ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: وجَعَلْنا جَهَنَّمَ حاصِرَةً لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: جَعَلْناها مَوْضِعًا مَحْصُورًا لَهم، والمَعْنى أنَّ عَذابَ الدُّنْيا وإنْ كانَ شَدِيدًا قَوِيًّا إلّا أنَّهُ قَدْ يَتَفَلَّتُ بَعْضُ النّاسِ عَنْهُ، والَّذِي يَقَعُ في ذَلِكَ العَذابِ يَتَخَلَّصُ عَنْهُ، إمّا بِالمَوْتِ وإمّا بِطَرِيقٍ آخَرَ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ حاصِرًا لِلْإنْسانِ مُحِيطًا بِهِ لا رَجاءَ في الخَلاصِ عَنْهُ، فَهَؤُلاءِ الأقْوامُ لَهم مِن عَذابِ الدُّنْيا ما وصَفْناهُ ويَكُونُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ ما يَكُونُ مُحِيطًا بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ ولا يَتَخَلَّصُونَ مِنهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادِهِ المُخْلِصِينَ وهو الإسْراءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإيتاءُ الكِتابِ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما فَعَلَهُ في حَقِّ العُصاةِ والمُتَمَرِّدِينَ وهو تَسْلِيطُ أنْواعِ البَلاءِ