< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah014
Ibrahim (14)
Abraham, makkah, 52 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الحِيَلِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في الضَّلالِ والإضْلالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ:﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأصْلُ في الكَلامِ أنْ يُقالَ: ويَبْغُونَ لَها عِوَجًا، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِأحْوالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ] وإنَّما وُصِفَ هَذا الضَّلالُ بِالبُعْدِ لِوُجُوهٍ:
الوجه الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ أقْصى مَراتِبِ الضَّلالِ هو الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، فَهَذِهِ المَرْتَبَةُ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَإنَّ شَرْطَ الضِّدَّيْنِ أنْ يَكُونا في غايَةِ التَّباعُدِ، مِثْلَ السَّوادِ والبَياضِ، فَكَذا هاهُنا الضَّلالُ الَّذِي يَكُونُ واقِعًا عَلى هَذا الوجه يَكُونُ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّهُ لا يُعْقَلُ ضَلالٌ أقْوى وأكْمَلُ مِن هَذا الضَّلالِ.
والوجه الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ يَبْعُدَ رَدُّهم عَنْ طَرِيقَةِ الضَّلالِ إلى الهُدى؛ لِأنَّهُ قَدْ تَمَكَّنَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ.
والوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الضَّلالِ الهَلاكَ، والتَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ في هَلاكٍ يَطُولُ عَلَيْهِمْ فَلا يَنْقَطِعُ، وأرادَ بِالبُعْدِ امْتِدادَهُ وزَوالَ انْقِطاعِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ كانَ هَذا إنْعامًا عَلى الرَّسُولِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ هَذا المَنصِبَ العَظِيمَ، وإنْعامًا أيْضًا عَلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن خَلَّصَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ وأرْشَدَهم إلى نُورِ الإيمانِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَكْمِيلِ النِّعْمَةِ والإحْسانِ في الوجه يْنِ. أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ كانُوا مَبْعُوثِينَ إلى قَوْمِهِمْ خاصَّةً، وأمّا أنْتَ يا مُحَمَّدُ فَمَبْعُوثٌ إلى عامَّةِ الخَلْقِ، فَكانَ هَذا الإنْعامُ في حَقِّكَ أفْضَلَ وأكْمَلَ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى عامَّةِ الخَلْقِ، فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ ما بَعَثَ رَسُولًا إلى قَوْمٍ إلّا بِلِسانِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَإنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ فَهْمُهم لِأسْرارِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ ووُقُوفُهم عَلى حَقائِقِها أسْهَلَ، وعَنِ الغَلَطِ والخَطَأِ أبْعَدَ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللُّغاتِ اصْطِلاحِيَّةٌ لا تَوْقِيفِيَّةٌ، قالَ: لِأنَّ التَّوْقِيفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إرْسالَ جَمِيعِ الرُّسُلِ لا يَكُونُ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ حُصُولِ اللُّغاتِ عَلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حُصُولُ تِلْكَ اللُّغاتِ بِالتَّوْقِيفِ، فَوَجَبَ حُصُولُها بِالِاصْطِلاحِ.* * *
المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَكِنْ إلى العَرَبِ لا إلى سائِرِ الطَّوائِفِ، وتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ نازِلًا بِلُغَةِ العَرَبِ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُعْجِزَةً بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الفَصاحَةِ إلّا العَرَبُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ القُرْآنُ حُجَّةً إلّا عَلى العَرَبِ، ومَن لا يَكُونُ عَرَبِيًّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِ.
الثّانِي: قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ المُرادُ بِذَلِكَ اللِّسانِ لِسانُ العَرَبِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَوْمٌ سِوى العَرَبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ فَقَطْ.
والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ أهْلَ بَلَدِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ أهْلَ دَعْوَتِهِ، والدَّلِيلُ عَلى عُمُومِ الدَّعْوَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم