< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah014
Ibrahim (14)
Abraham, makkah, 52 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
٧٨] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ كانَ في انْتِسابِهِ لا يُجاوِزُ مَعَدَّ بْنَ عَدْنانَ بْنِ أُدَدٍ. وقالَ: ”«تَعَلَّمُوا مِن أنْسابِكم ما تَصِلُونَ بِهِ أرْحامَكم وتَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى الطَّرِيقِ» “ قالَ القاضِي: وعَلى هَذا الوجه لا يُمْكِنُ القَطْعُ عَلى مِقْدارِ السِّنِينَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ إنْ أمْكَنَ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالأنْسابِ المَوْصُولَةِ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ القَوْلَيْنِ أوْلى ؟
قُلْنا: القَوْلُ الثّانِي عِنْدِي أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ نَفى العِلْمَ بِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ إذْ لَوْ كانَتْ ذَواتُهم مَعْلُومَةً، وكانَ المَجْهُولُ هو مُدَدَ أعْمارِهِمْ وكَيْفِيَّةَ صِفاتِهِمْ لَما صَحَّ نَفْيُ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ، ولَمّا كانَ ظاهِرُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ لا جَرَمَ كانَ الأقْرَبُ هو القَوْلَ الثّانِيَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ الأقْوامِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهُ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ أتَوْا بِأُمُورٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ وفي مَعْناهُ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِاليَدِ والفَمِ الخارِجَتانِ المَعْلُومَتانِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِما شَيْءٌ غَيْرُ هاتَيْنِ الجارِحَتَيْنِ وإنَّما ذَكَرَهُما مَجازًا وتَوَسُّعًا. أمّا مَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الوجه الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ و﴿أفْواهِهِمْ﴾ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ فَعَضُّوها مِنَ الغَيْظِ والضَّجَرِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ الرُّسُلِ واسْتِماعِ كَلامِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾[آل عمران: ١١٩] وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى، وهو اخْتِيارُ القاضِي.
والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ الأنْبِياءِ عَجِبُوا مِنهُ وضَحِكُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ مَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ مُشِيرِينَ بِذَلِكَ إلى الأنْبِياءِ أنْ كُفُّوا عَنْ هَذا الكَلامِ واسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِ هَذا الحَدِيثِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهم أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى ألْسِنَتِهِمْ وإلى ما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ؛ أيْ هَذا هو الجَوابُ عِنْدَنا عَمّا ذَكَرْتُمُوهُ، ولَيْسَ
صفحة ٧١
عِنْدَنا غَيْرُهُ إقْناطًا لَهم مِنَ التَّصْدِيقِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ .الوجه الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ راجِعَيْنِ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ أخَذُوا أيْدِيَ الرُّسُلِ ووَضَعُوها عَلى أفْواهِهِمْ لِيُسْكِتُوهم ويَقْطَعُوا كَلامَهم.
الثّانِي: أنَّ الرُّسُلَ لَمّا أيِسُوا مِنهم سَكَتُوا ووَضَعُوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ عَلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّ مَن ذَكَرَ كَلامًا عِنْدَ قَوْمٍ وأنْكَرُوهُ وخافَهم فَذَلِكَ المُتَكَلِّمُ رُبَّما وضَعَ يَدَ نَفْسِهِ عَلى فَمِ نَفْسِهِ وغَرَضُهُ أنْ يُعَرِّفَهم أنَّهُ لا يَعُودُ إلى ذَلِكَ الكَلامِ البَتَّةَ.
الوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في أيْدِيهِمْ يَرْجِعُ إلى الكُفّارِ وفي الأفْواهِ إلى الرُّسُلِ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا وعْظَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَصائِحَهم وكَلامَهم أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِ الرُّسُلِ تَكْذِيبًا لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَنعًا لَهم مِنَ الكَلامِ، ومَن بالَغَ في مَنعِ غَيْرِهِ مِنَ الكَلامِ فَقَدْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ. أمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو أنَّ ذِكْرَ اليَدِ والفَمِ تَوَسُّعٌ ومَجازٌ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الوجه الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ بِاليَدِ ما نَطَقَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الحُجَجِ وذَلِكَ لِأنَّ إسْماعَ الحُجَّةِ إنْعامٌ عَظِيمٌ والإنْعامُ يُسَمّى يَدًا. يُقالُ: لِفُلانٍ عِنْدِي