< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تَحْتَ قَهْرِ فِرْعَوْنَ، ومِنها ما كانَ أيّامَ الرّاحَةِ والنَّعْماءِ مِثْلَ إنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى وانْفِلاقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ.

ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ دَلائِلَ لِمَن كانَ صَبّارًا شَكُورًا؛ لِأنَّ الحالَ إمّا أنْ يَكُونَ حالَ مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ أوْ حالَ مِنحَةٍ وعَطِيَّةٍ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ المُؤْمِنُ صَبّارًا، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ شَكُورًا. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَخْلُوَ زَمانُهُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَإنْ جَرى الوَقْتُ عَلى ما يُلائِمُ طَبْعَهُ ويُوافِقُ إرادَتَهُ كانَ مَشْغُولًا بِالشُّكْرِ، وإنْ جَرى بِما لا يُلائِمُ طَبْعَهُ كانَ مَشْغُولًا بِالصَّبْرِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ التَّذْكِيراتِ آياتٌ لِلْكُلِّ، فَلِماذا خَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ بِها ؟

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا كانُوا هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الآياتِ صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ آياتٍ إلّا لَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾[النازعات: ٤٥] .

والثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الِانْتِفاعُ بِهَذا النوع مِنَ التَّذْكِيرِ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إلّا لِمَن كانَ صابِرًا أوْ شاكِرًا. أمّا الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الآياتِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى، حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذَكَّرَهم بِها فَقالَ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ بِمَعْنى الإنْعامِ، أيِ اذْكُرُوا إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْكم في ذَلِكَ الوَقْتِ.

* * *

بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ذُكِرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾[البقرة: ٤٩] وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾[الأعراف: ١٤١] وهَهُنا ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ مَعَ الواوِ فَما الفَرْقُ ؟

والجَوابُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بِغَيْرِ واوٍ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ وفي التَّفْسِيرِ لا يَحْسُنُ ذِكْرُ الواوِ، تَقُولُ: أتانِي القَوْمُ زَيْدٌ وعَمْرٌو. لِأنَّكَ أرَدْتَ أنْ تُفَسِّرَ القَوْمَ بِهِما، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾[الفرقان: ٦٨-٦٩] فالأثامُ لَمّا صارَ مُفَسَّرًا بِمُضاعَفَةِ العَذابِ لا جَرَمَ حُذِفَ عَنْهُ الواوُ. أمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدْ أدْخَلَ الواوَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يُعَذِّبُونَهم بِغَيْرِ التَّذْبِيحِ وبِالتَّذْبِيحِ أيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ لا أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ فِعْلُ آلِ فِرْعَوْنَ بَلاءً مِن رَبِّهِمْ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ تَمْكِينَ اللَّهِ إيّاهم حَتّى فَعَلُوا ما فَعَلُوا كانَ بَلاءً مِنَ اللَّهِ.

والثّانِي: وهو أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإنْجاءِ، وهو بَلاءٌ عَظِيمٌ، والبَلاءُ هو الِابْتِلاءُ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالنِّعْمَةِ تارَةً، وبِالمِحْنَةِ أُخْرى، قالَ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾[الأنبياء: ٣٥] وهَذا الوجه أوْلى لِأنَّهُ يُوافِقُ صَدْرَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ .

السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ تَذْبِيحَ الأبْناءِ كانَ بَلاءً، أمّا اسْتِحْياءُ النِّساءِ كَيْفَ يَكُونُ بَلاءً ؟

الجَوابُ: كانُوا يَسْتَخْدِمُونَهُنَّ بِالِاسْتِحْياءِ في الخَلاصِ مِنهُ نِعْمَةً، وأيْضًا إبْقاؤُهُنَّ مُنْفَرِداتٍ عَنِ الرِّجالِ فِيهِ أعْظَمُ المَضارِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مِن جُمْلَةِ ما قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم واذْكُرُوا حِينَ تَأذَّنَ رَبُّكم، ومَعْنى ﴿تَأذَّنَ﴾أذِنَ رَبُّكم. ونَظِيرُ تَأذَّنَ وآذَنَ تَوَعَّدَ وأوْعَدَ وتَفَضَّلَ وأفْضَلَ، ولا بُدَّ في تَفَعَّلَ مِن زِيادَةِ مَعْنًى لَيْسَ