< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah110
An-Nasr (110)
Divine Support, madinah, 3 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَكانَ يَجُوزُ أنْ يَخُونُوا فَيُسْتَباحَ رِقُّهم مَرَّةً أُخْرى؛ ولِأنَّ الطَّلاقَ يَخُصُّ النِّسْوانَ، وقَدْ ألْقَوُا السِّلاحَ وأخَذُوا المَساكِنَ كالنِّسْوانِ؛ ولِأنَّ المُعْتَقَ يُخْلى سَبِيلُهُ يَذْهَبُ حَيْثُ شاءَ، والمُطَلَّقَةُ تَجْلِسُ في البَيْتِ لِلْعِدَّةِ، وهم أُمِرُوا بِالجُلُوسِ بِمَكَّةَ كالنِّسْوانِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ، فَصارُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، رُوِيَ«أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلّى ثَمانِ رَكَعاتٍ: أرْبَعَةٌ صَلاةُ الضُّحى، وأرْبَعَةٌ أُخْرى شُكْرًا لِلَّهِ نافِلَةً»، فَهَذِهِ هي قِصَّةُ فَتْحِ مَكَّةَ.
والمَشْهُورُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ مِنَ الفَتْحِ في هَذِهِ السُّورَةِ هو فَتْحُ مَكَّةَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِالنَّصْرِ، وقَدْ كانَ يَجِدُ النَّصْرَ دُونَ الفَتْحِ كَبَدْرٍ، والفَتْحَ دُونَ النَّصْرِ كَإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، فَإنَّهُ فَتَحَ البَلَدَ لَكِنْ لَمْ يَأْخُذِ القَوْمَ، أمّا يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ اجْتَمَعَ لَهُ الأمْرانِ النَّصْرُ والفَتْحُ، وصارَ الخَلْقُ لَهُ كالأرِقّاءِ حَتّى أعْتَقَهم.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ فَتْحُ خَيْبَرَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى يَدِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، رُوِيَ أنَّهُ اسْتَصْحَبَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، وكانَ يُسامِيهِ في الشَّجاعَةِ، فَلَمّا نُصِبَ السُّلَّمُ قالَ لِخالِدٍ: أتَتَقَدَّمُ ؟ قالَ: لا، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَهُ كَمْ صَعِدْتَ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي لِشِدَّةِ الخَوْفِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ ألا تُصارِعَنِي ؟ فَقالَ: ألَسْتُ صَرَعْتُكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ لَكِنَّ ذاكَ قَبْلَ إسْلامِي، ولَعَلَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما امْتَنَعَ عَنْ مُصارَعَتِهِ لِيَقَعَ صِيتُهُ في الإسْلامِ أنَّهُ رَجُلٌ يَمْتَنِعُ عَنْهُ عَلِيٌّ، أوْ كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: صَرَعْتُكَ حِينَ كُنْتَ كافِرًا، أمّا الآنَ وأنْتَ مُسْلِمٌ فَلا يَحْسُنُ أنْ أصْرَعَكَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ فَتَحَ الطّائِفَ وقِصَّتُهُ طَوِيلَةٌ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: المُرادُ النَّصْرُ عَلى الكُفّارِ، وفَتْحُ بِلادِ الشِّرْكِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أرادَ بِالفَتْحِ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[طه: ١١٤] لَكِنَّ حُصُولَ العِلْمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِانْشِراحِ الصَّدْرِ وصَفاءِ القَلْبِ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِنَصْرِ اللَّهِ إعانَتَهُ عَلى الطّاعَةِ والخَيْراتِ، والفَتْحُ هو انْتِفاعُ عالَمِ المَعْقُولاتِ والرُّوحانِيّاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا حَمَلْنا الفَتْحَ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، فَلِلنّاسِ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سَنَةَ عَشْرٍ، ورُوِيَ أنَّهُ عاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبْعِينَ يَوْمًا، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ التَّوْدِيعِ
والقَوْلُ الثّانِيَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهو وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، وأنْ يَفْتَحَها عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾
صفحة ١٤٤
[القصص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ، إذْ لا يُقالُ فِيما وقَعَ: إذا جاءَ وإذا وقَعَ، وإذا صَحَّ هَذا القَوْلُ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ وُجِدَ مُخْبَرُهُ بَعْدَ حِينٍ مُطابِقًا لَهُ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذُكِرَ النَّصْرُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ الفَتْحُ بِالألِفِ واللّامِ ؟الجَوابُ: الألِفُ واللّامُ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، فَيَنْصَرِفُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رَأيْتَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أبْصَرْتَ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ عَلِمْتَ، فَإنْ كانَ مَعْناهُ أبْصَرْتَ كانَ يَدْخُلُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ورَأيْتَ النّاسَ حالَ دُخُولِهِمْ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وإنْ كانَ مَعْناهُ عَلِمْتَ كانَ يَدْخُلُونَ في دِينِ