< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


دَنانِيرَ واسْتَحْمَلَها كِتابًا إلى مَكَّةَ نُسْخَتُهُ: اعْلَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَخَرَجَتْ سارَّةُ ونَزَلَ جِبْرِيلُ بِالخَبَرِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ وعَمّارًا في جَماعَةٍ وأمَرَهم أنْ يَأْخُذُوا الكِتابَ وإلّا فاضْرِبُوا عُنُقَها، فَلَمّا أدْرَكُوها جَحَدَتْ وحَلَفَتْ فَسَلَّ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيْفَهُ، وقالَ واللَّهِ: ما كُذِبْنا فَأخْرَجَتْهُ مِن عَقِيصَةِ شَعْرِها، واسْتَحْضَرَ النَّبِيُّ حاطِبًا وقالَ: ما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولا أحْبَبْتُهم مُنْذُ فارَقْتُهم، لَكِنْ كُنْتُ غَرِيبًا في قُرَيْشٍ وكُلُّ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قَراباتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ أهالِيَهم فَخَشِيتُ عَلى أهْلِي فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا، فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ: وما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم، فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إلى أنْ نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وقَدِمَ العَبّاسُ وأبُو سُفْيانَ إلَيْهِ فاسْتَأْذَنا فَأذِنَ لِعَمِّهِ خاصَّةً فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إمّا أنْ تَأْذَنَ لِي وإلّا أذْهَبُ بِوَلَدِي إلى المَفازَةِ فَيَمُوتَ جُوعًا وعَطَشًا فَرَقَّ قَلْبُهُ، فَأذِنَ لَهُ وقالَ لَهُ: ألَمْ يَأْنِ أنْ تُسْلِمَ وتُوَحِّدَ ؟ فَقالَ: أظُنُّ أنَّهُ واحِدٌ، ولَوْ كانَ هَهُنا غَيْرُ اللَّهِ لَنَصَرَنا، فَقالَ: ألَمْ يَأْنِ أنْ تَعْرِفَ أنِّي رَسُولُهُ ؟ فَقالَ: إنَّ لِي شَكًّا في ذَلِكَ، فَقالَ العَبّاسُ: أسْلِمْ قَبْلَ أنْ يَقْتُلَكَ عُمَرُ، فَقالَ: وماذا أصْنَعُ بِالعُزّى ؟ فَقالَ عُمَرُ: لَوْلا أنَّكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ألَيْسَ الأوْلى أنْ تَتْرُكَ هَؤُلاءِ الأوْباشَ وتُصالِحَ قَوْمَكَ وعَشِيرَتَكَ ؟ فَسُكّانُ مَكَّةَ عَشِيرَتُكَ وأقارِبُكَ، و(لا) تَعَرِّضْهم لِلشَّنِّ والغارَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ نَصَرُونِي وأعانُونِي وذَبُّوا عَنْ حَرِيمِي، وأهْلُ مَكَّةَ أخْرَجُونِي وظَلَمُونِي، فَإنْ هم أُسِرُوا فَبِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، وأمَرَ العَبّاسَ بِأنْ يَذْهَبَ بِهِ ويُوقِفَهُ عَلى المِرْصادِ لِيُطالِعَ العَسْكَرَ، فَكانَتِ الكَتِيبَةُ تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ مَن هَذا ؟ فَيَقُولُ العَبّاسُ: هو فُلانٌ مِن أُمَراءِ الجُنْدِ إلى أنْ جاءَتِ الكَتِيبَةُ الخَضْراءُ الَّتِي لا يُرى مِنها إلّا الحَدَقُ، فَسَألَ عَنْهم، فَقالَ العَبّاسُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: لَقَدْ أُوتِيَ ابْنُ أخِيكَ مُلْكًا عَظِيمًا، فَقالَ العَبّاسُ: هو النُّبُوَّةُ، فَقالَ هَيْهاتَ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ

صفحة ١٤٣

ودَخَلَ مَكَّةَ، وقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا جاءَ بِعَسْكَرٍ لا يُطِيقُهُ أحَدٌ، فَصاحَتْ هِنْدٌ وقالَتْ: اقْتُلُوا هَذا المُبَشِّرَ، وأخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ فَصاحَ الرَّجُلُ ودَفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، ولَمّا سَمِعَ أبُو سُفْيانَ أذانَ القَوْمِ لِلْفَجْرِ، وكانُوا عَشَرَةَ آلافِ فَزِعَ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وسَألَ العَبّاسَ، فَأخْبَرَهُ بِأمْرِ الصَّلاةِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ عَلى راحِلَتِهِ ولِحْيَتُهُ عَلى قُرْبُوسِ سَرْجِهِ كالسّاجِدِ تَواضُعًا وشُكْرًا، ثُمَّ التَمَسَ أبُو سُفْيانَ الأمانَ، فَقالَ: مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، فَقالَ: ومَن تَسَعُ دارِي، فَقالَ: ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ، فَقالَ: ومَن يَسَعُ المَسْجِدُ، فَقالَ: مَن ألْقى سِلاحَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ثُمَّ وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ صَدَقَ وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، ثُمَّ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ ما تَرَوْنَ أنِّي فاعِلٌ بِكم ؟ فَقالُوا: خَيْرًا أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، فَقالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ»فَأعْتَقَهم؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقاءَ، ومِن ذَلِكَ كانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ لِمُعاوِيَةَ: أنّى يَسْتَوِي المَوْلى والمُعْتَقُ يَعْنِي أعْتَقْناكم حِينَ مَكَّنَنا اللَّهُ مِن رِقابِكم ولَمْ يَقُلِ: اذْهَبُوا فَأنْتُمْ مُعْتَقُونَ، بَلْ قالَ: الطُّلَقاءُ؛ لِأنَّ المُعْتَقَ يَجُوزُ أنْ يُرَدَّ إلى الرِّقِّ، والمُطَلَّقَةُ يَجُوزُ أنْ تُعادَ إلى رِقِّ النِّكاحِ وكانُوا بَعْدُ عَلى الكُفْرِ،