< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


٢٣ ]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾[الصّافّاتِ: ٢٤ ]، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٥ ] .

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ حَيْثُ ورَدَ المَنعُ مِنَ الكَلامِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الجَواباتِ الحَقِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ.

الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ طَوِيلٌ ولَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾[هُودٍ: ١٠٣ ] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ في النّاسِ مَجانِينُ وأطْفالٌ، وهم خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ؟

قُلْنا: المُرادُ مَن يُحْشَرُ مِمَّنْ أُطْلِقَ لِلْحِسابِ، وهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.

فَإنْ قِيلَ: قَدِ احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ ما يُقالُ: إنَّ أهْلَ الأعْرافِ لا في الجَنَّةِ ولا في النّارِ، فَما قَوْلُكم فِيهِ ؟

قُلْنا: لَمّا سُلِّمَ أنَّ الأطْفالَ والمَجانِينَ خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهم لا يُحاسَبُونَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ خارِجُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّهم أيْضًا لا يُحاسَبُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّ ثَوابَهم يُساوِي عَذابَهم، فَلا فائِدَةَ في حِسابِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: القاضِي اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ كُلَّ مَن حَضَرَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ثَوابُهُ زائِدًا، أوْ يَكُونَ عِقابُهُ زائِدًا، فَأمّا مَن كانَ ثَوابُهُ مُساوِيًا لِعِقابِهِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جائِزًا في العَقْلِ، إلّا أنَّ هَذا النَّصَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.

قُلْنا: الكَلامُ فِيهِ ما سَبَقَ مِن أنَّ السَّعِيدَ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ الثَّوابِ، والشَّقِيَّ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ العِقابِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ القِسْمِ الثّالِثِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ: أنَّ أكْثَرَ الآياتِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَقَطْ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ ثالِثٍ لا يَكُونُ لا مُؤْمِنًا ولا كافِرًا، مَعَ أنَّ القاضِيَ أثْبَتَهُ، فَإذا لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ الثّالِثِ عَدَمُهُ فَكَذَلِكَ لا يَلْزَمُ مِن ذِكْرِ هَذا الثّالِثِ عَدَمُهُ.

صفحة ٥٠

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ الآنَ عَلى بَعْضِ أهْلِ القِيامَةِ بِأنَّهُ سَعِيدٌ وعَلى بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ شَقِيٌّ، ومَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وعُلِمَ مِنهُ ذَلِكَ الأمْرُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ بِخِلافِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَصِيرَ خَبَرُ اللَّهِ تَعالى كَذِبًا وعِلْمُهُ جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وأنَّ الشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا، وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا تُحْصى، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلى ماذا نَعْمَلُ؛ عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، أمْ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ ؟ فَقالَ: ”عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ يا عُمَرُ، وجَفَّتْ بِهِ الأقْلامُ، وجَرَتْ بِهِ الأقْدارُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ .

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: فَمِنهم شَقِيٌّ بِعَمَلِهِ وسَعِيدٌ بِعَمَلِهِ.

قُلْنا: الدَّلِيلُ القاطِعُ لا يَدْفَعُ بِهَذِهِ الرِّواياتِ وأيْضًا فَلا نِزاعَ أنَّهُ إنَّما شَقِيَ بِعَمَلِهِ،