< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


كانَ بِسَبَبِ أنَّ إلَهَ العالَمِ خَلَقَها وأوْجَدَها، وأنَّها لَيْسَتْ بِسَبَبِ طَوالِعِ الكَواكِبِ وقِراناتِها، وحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِسَماعِ هَذِهِ القِصَصِ، ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ قَوْلِهِ: (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، والمَعْنى أنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ كُلُّهم يُحْشَرُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ويُجْمَعُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قالَ

صفحة ٤٨

ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَشْهَدُهُ البَرُّ والفاجِرُ، وقالَ آخَرُونَ: يَشْهَدُهُ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الحُضُورُ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهُ رُبَّما وقَعَ في قَلْبِ إنْسانٍ أنَّهم لَمّا جُمِعُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَعْرِفْ كُلُّ أحَدٍ إلّا واقِعَةَ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الوَقائِعَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً لِلْكُلِّ؛ بِسَبَبِ المُحاسَبَةِ والمُساءَلَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ والمَعْنى أنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ وإفْناءَ الدُّنْيا مَوْقُوفٌ عَلى أجَلٍ مَعْدُودٍ، وكُلُّ ما لَهُ عَدَدٌ فَهو مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْنى، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ سَيَنْتَهِي إلى وقْتٍ لا بُدَّ وأنْ يُقِيمَ اللَّهُ القِيامَةَ فِيهِ، وأنْ تَخَرَبَ الدُّنْيا فِيهِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ، والباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وحَذْفُ الياءِ والِاجْتِزاءُ عَنْها بِالكَسْرَةِ كَثِيرٌ في لُغَةِهُذَيْلٍ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُمْ”لا أدْرِ“ حَكاهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فاعِلُ يَأْتِي هو اللَّهُ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾[البَقَرَةِ: ٢١٠ ] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾[الأنْعامِ: ١٥٨ ]، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”وما يُؤَخِّرُهُ“ بِالياءِ، أقُولُ: لا يُعْجِبُنِي هَذا التَّأْوِيلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾[البَقَرَةِ: ٢١٠ ] حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ أقْوامٍ، والظّاهِرُ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، وذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾[الأنْعامِ: ١٥٨ ] أمّا هَهُنا فَهو صَرِيحُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإسْنادُ فِعْلِ الإتْيانِ إلَيْهِ مُشْكِلٌ.

فَإنْ قالُوا: فَما قَوْلُكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾[الفَجْرِ: ٢٢ ] .

قُلْنا: هُناكَ تَأْوِيلاتٌ، وأيْضًا فَهو صَرِيحٌ، فَلا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فَوَجَبَ الِامْتِناعُ مِنهُ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ يَوْمَ يَأْتِي الشَّيْءُ المَهِيبُ الهائِلُ المُسْتَعْظَمُ، فَحُذِفَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ بِتَعْيِينِهِ لِيَكُونَ أقْوى في التَّخْوِيفِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العامِلُ في انْتِصابِ الظَّرْفِ هو قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ أوْ إضْمارُ ”اذْكُرْ“ .

صفحة ٤٩

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَفِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ سائِرِ الآياتِ الَّتِي تُوهِمُ كَوْنَها مُناقِضَةً لِهَذِهِ الآيَةِ؛ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[النَّحْلِ: ١١١ ]، ومِنها أنَّهم يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾[الأنْعامِ: