< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ظُهُورَ حُجَّةِ خَصْمِهِ، بَلْ يَسْعى في إخْفائِها وإبْطالِها بِأقْصى الإمْكانِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ يَخافُ مِن إقْدامِهِمْ عَلى قَتْلِها؛ فَلِهَذا احْتاطَ وقالَ:﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ وتَوَعَّدَهم إنْ مَسُّوها بِسُوءٍ بِعَذابٍ قَرِيبٍ، وذَلِكَ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ لَهم مِنَ الإقْدامِ عَلى قَتْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعَ ذَلِكَ عَقَرُوها وذَبَحُوها، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَقَرُوها لِإبْطالِ تِلْكَ الحُجَّةِ، وأنْ يَكُونَ لِأنَّها ضَيَّقَتِ الشُّرْبَ عَلى القَوْمِ، وأنْ يَكُونَ لِأنَّهم رَغِبُوا في شَحْمِها ولَحْمِها، وقَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ يُرِيدُ اليَوْمَ الثّالِثَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ القَوْمَ عَقَرُوها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ومَعْنى التَّمَتُّعِ: التَّلَذُّذُ بِالمَنافِعِ والمَلاذِّ الَّتِي تُدْرَكُ بِالحَواسِّ، ولَمّا كانَ التَّمَتُّعُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْحَيِّ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الحَياةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الدّارِ البَلَدُ، وتُسَمّى البِلادُ بِالدِّيارِ؛ لِأنَّهُ يُدارُ فِيها، أيْ يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ أيْ بِلادُهم.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالدِّيارِ الدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ كَذِبٍ، والمَصْدَرُ قَدْ يَرِدُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ؛ كالمَجْلُودِ، والمَعْقُولِ، و﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾، وقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمْهَلَهم تِلْكَ الأيّامَ الثَّلاثَةَ فَقَدْ رَغَّبَهم في الإيمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ أنْذَرَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنُزُولِ العَذابِ، فَقالُوا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: تَصِيرُ وُجُوهُكم في اليَوْمِ الأوَّلِ مُصْفَرَّةً، وفي الثّانِي مُحْمَرَّةً، وفي الثّالِثِ مُسْوَدَّةً، ثُمَّ يَأْتِيكُمُ العَذابُ في اليَوْمِ الرّابِعِ، فَلَمّا رَأوْا وُجُوهَهم قَدِ اسْوَدَّتْ أيْقَنُوا بِالعَذابِ، فاحْتاطُوا واسْتَعَدُّوا لِلْعَذابِ، فَصَبَّحَهُمُ اليَوْمُ الرّابِعُ وهي الصَّيْحَةُ والصّاعِقَةُ والعَذابُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَظْهَرَ فِيهِمْ هَذِهِ العَلاماتُ مُطابِقَةً لِقَوْلِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ؟
قُلْنا: ما دامَتِ الأماراتُ غَيْرَ بالِغَةٍ إلى حَدِّ الجَزْمِ واليَقِينِ لَمْ يَمْتَنِعْ بَقاؤُهم عَلى الكُفْرِ، وإذا صارَتْ يَقِينِيَّةً قَطْعِيَّةً، فَقَدِ انْتَهى الأمْرُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، والإيمانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ مَضى في قِصَّةِ عادٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٨
المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ واوُ العَطْفِ وفِيهِ وجْهانِ:الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِقَوْمِهِ، ومِنَ الخِزْيِ الَّذِي لَزِمَهم وبَقِيَ العارُ فِيهِ مَأْثُورًا عَنْهم ومَنسُوبًا إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَعْنى الخِزْيِ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ ويُسْتَحْيا مِن مِثْلِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَقِيَ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ، وقالُونَ، وإحْدى الرِّواياتِ عَنِ الأعْمَشِ ”يَوْمَئِذٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، وفي المَعارِجِ ”عَذابِ يَوْمَئِذٍ“ [المَعارِجِ: ١١ ]والباقُونَ بِكَسْرِ المِيمِ فِيهِما، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى أنَّ ”يَوْمَ“ مُضافٌ إلى ”إذْ“، وأنَّ ”إذْ“ مَبْنِيٌّ، والمُضافُ إلى المَبْنِيِّ يَجُوزُ جَعْلُهُ مَبْنِيًّا، ألا تَرى أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّعْرِيفَ والتَّنْكِيرَ، فَكَذا هَهُنا، وأمّا الكَسْرُ في ”إذْ“ فالسَّبَبُ أنَّهُ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، تَقُولُ: جِئْتُكَ إذِ الشَّمْسُ طالِعَةٌ، فَلَمّا قُطِعَ عَنِ