< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أضافُوا إلى هَذا الكَلامِ التَّعَجُّبَ الشَّدِيدَ مِن قَوْلِهِ:﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّمَسُّكُ بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ، ووُجُوبُ مُتابِعَةِ الآباءِ والأسْلافِ، ونَظِيرُ هَذا التَّعَجُّبِ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ حَيْثُ قالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾[ص: ٥ ] ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ والشَّكُّ هو أنْ يَبْقى الإنْسانُ مُتَوَقِّفًا بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، والمُرِيبُ هو الَّذِي يُظَنُّ بِهِ السُّوءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ في اعْتِقادِهِمْ صِحَّةُ قَوْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَرَجَّحَ في اعْتِقادِهِمْ فَسادُ قَوْلِهِ، وهَذا مُبالَغَةٌ في تَزْيِيفِ كَلامِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ ورَدَ بِحَرْفِ الشَّكِّ، وكانَ عَلى يَقِينٍ تامٍّ في أمْرِهِ، إلّا أنَّ خِطابَ المُخالِفِ عَلى هَذا الوَجْهِ أقْرَبُ إلى القَبُولِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، وأنِّي نَبِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، وانْظُرُوا أنِّي إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ، فَما تَزِيدُونَنِي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تُخْسِرُونَ أعْمالِي وتُبْطِلُونَها.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَما تَزِيدُونَنِي بِما تَقُولُونَ لِي وتَحْمِلُونِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنْ أُخْسِرَكم - أيْ أنْسُبُكم إلى الخُسْرانِ - وأقُولُ لَكم: إنَّكم خاسِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ إنْ أتْبَعْكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي دَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرَ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ العادَةَ فِيمَن يَدَّعِي النُّبُوَّةَ عِنْدَ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ: أنْ يَبْتَدِئَ بِالدَّعْوَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُتْبِعَهُ بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، لا بُدَّ وأنْ يَطْلُبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وأمْرُ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا كانَ يُرْوى أنَّ قَوْمَهُ خَرَجُوا في عِيدٍ لَهم، فَسَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ، وأنْ يُخْرِجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ - أشارُوا إلَيْها - ناقَةً، فَدَعا صالِحٌ رَبَّهُ، فَخَرَجَتِ النّاقَةُ كَما سَألُوا.

واعْلَمْ أنَّ تِلْكَ النّاقَةَ كانَتْ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مِنَ الصَّخْرَةِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها في جَوْفِ الجَبَلِ ثُمَّ شَقَّ عَنْها الجَبَلَ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها حامِلًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ.

ورابِعُها: أنَّهُ خَلَقَها عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ دَفْعَةً واحِدَةً مِن غَيْرِ وِلادَةٍ.

وخامِسُها: ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولِكُلِّ القَوْمِ شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ.

وسادِسُها: أنَّهُ كانَ يَحْصُلُ مِنها لَبَنٌ كَثِيرٌ يَكْفِي الخَلْقَ العَظِيمَ، وكُلٌّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ مُعْجِزٌ قَوِيٌّ، ولَيْسَ في القُرْآنِ، إلّا أنَّ تِلْكَ النّاقَةَ كانَتْ آيَةً ومُعْجِزَةً، فَأمّا بَيانُ أنَّها كانَتْ مُعْجِزَةً مِن أيِّ الوُجُوهِ، فَلَيْسَ فِيهِ بَيانُهُ.

صفحة ١٧

ثُمَّ قالَ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾والمُرادُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَفَعَ عَنِ القَوْمِ مُؤْنَتَها، فَصارَتْ - مَعَ كَوْنِها آيَةً لَهم - تَنْفَعُهم ولا تَضُرُّهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِلَبَنِها عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خافَ عَلَيْها مِنهم لَمّا شاهَدَ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّ الخَصْمَ لا يُحِبُّ